القاضي عبد الجبار الهمذاني

215

شرح الأصول الخمسة

ومنهم : من لم يجوزه ، ثم افترقوا في علته ، فمنهم من قال : إنا لم نجوز على اللّه تعالى الكذب لأنه يدل على الجهل والحاجة ، أو لأنه قبيح ، واللّه تعالى غير موصوف بالقدرة على التفرد بالقبيح ، وهم النجارية . الكلام على النجارية : ومنهم : من قال : لا يجوز عليه الكذب ، لأنه صادق لذاته . والكلام على النجارية في الوجه الأول ، هو أنه إذا جاز أن يفعل القديم تعالى سائر القبائح ولا يدل على الجهل والحاجة ، فما أنكرتم أن يفعل الكذب أيضا ولا يدل على الجهل والحاجة . وأما الكلام على من اعتل بالوجه الثاني فقد مضى ، لأنا قد بينا قدرته على ما لو فعله لكان قبيحا . وأما الكلام على من قال إنه تعالى صادق لذاته ، فهو أن يقال : ما دليلكم على أنه تعالى صادق لذاته ؟ فإن قالوا الدليل على ذلك أنه تعالى أخبر عن أشياء وكان كما أخبر . قلنا لهم : وما تلك الأشياء التي ذكرها ؟ فإن قالوا : إخباره عن خلقه السماوات والأرضين حيث قال : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ قلنا له : ما أنكرتم أنه لم يرد بذلك السماوات والأرضين المخلوقة ، وإنما أراد بذلك السماوات والأرضين التي لم يخلقها بعد ، فيكون كاذبا فيه تعالى عن ذلك . وبعد ، فليس للصدق بكونه صادقا حال ، وإنما المرجع بذلك إلى أنه فاعل للصدق ، والقوم إذا جعلوه صادقا لذاته فكأنهم قد نفوا عنه الصدق أصلا . وبعد ، فلو كان صادقا لذاته لكانت هذه الصفة ترجع إليه ، فما الذي يمنع أن يخبر بشيء ولا يكون كما أخبر عنه ، فإن هذا يرجع إلى الفعل لا إلى الذات ، ولسنا نلزمكم أكثر من تجويز هذا . ثم يقال لهم ، أليس اللّه تعالى آمرا لذاته عندكم ثم لا يمتنع أن يكون آمرا ببعض الأشياء ناهيا عن البعض ، فهلا جاز أن يكون صادقا لذاته وإن كان لا يمنع أن يكون صادقا في بعض الأشياء وكاذبا في البعض ؟ ومما ألزمهم به مشايخنا هو أنه لو جاز أن يفعل بعض القبائح لجاز أن يفعل سائرها ، وهذا يوجب عليهم جواز أن يثيب الفراعنة بطاعات الأنبياء ، ويعاقب الأنبياء بذنوب الفراعنة ، فلا يحسن من العباد عبادته . وعند هذا الإلزام تحزبوا حزبين وافترقوا فريقين :