القاضي عبد الجبار الهمذاني
210
شرح الأصول الخمسة
وبعد : فلو كان كذلك ، لوجب إذا أمر أحدنا بالظلم والكذب أن يكون حسنا ، وإذا نهى عن العدل والإنصاف أن يكون قبيحا ، وأن لا يفترق الحال بين أن يكون من قبلنا وبين أن يكون من قبل اللّه تعالى ، لأن العلل في إيجابها الحكم لا تختلف بحسب اختلاف العاملين ، ألا ترى أن الحركة لما كانت علية في كون الذات متحركا لم تفترق الحال بين أن تكون من قبل اللّه تعالى وبين أن تكون من قبل غير اللّه تعالى ، كذلك هاهنا . وقد عرف خلافه . وبعد ، فلو كان كذلك ، لوجب في الشيء الواحد أن يكون حسنا قبيحا دفعة واحدة ، بأن يأمر به بعضهم وينهى عنه الآخرون ، والمعلوم خلافه . فهذا إذا جعلوا العلة النهي . فأما إذا جعلوا العلة في قبح القبيح كوننا مملوكين مربوبين محدثين ، كان الكلام عليهم أن حالنا مع الظلم والكذب وغيرهما من القبائح كحالنا مع العدل والإنصاف ، فيجب أن يكون العدل قبيحا لكوننا مملوكين مربوبين محدثين ، والمعلوم خلافه . وبعد ، فلو كان كذلك ، لوجب فيمن لا يعرف كوننا مملوكين مربوبين محدثين أن لا يعرف قبح الظلم والكذب ، ومعلوم أن هؤلاء الدهرية يعرفون قبح الظلم ، وإن لم يعرفوا كوننا مملوكين مربوبين محدثين . فإن قيل : قولكم إن القبيح إنما يقبح لوقوعه على وجه ، ومتى وقع على ذلك الوجه قبح من أي فاعل كان ، لا يصح لأن الإماتة بالهدم والغرق وغيره من الوجوه ، يحسن من اللّه تعالى ويقبح منا ، وكذلك فإيلام الأطفال والبهائم يحسن منه ويقبح منا فبطل ما ذكرتموه . قيل له : إنما يحسن من اللّه تعالى الإماتة والإيلام لعلة ، تلك العلة مفقودة في حقنا ، وهي من جهة اللّه تعالى تتضمن الاعتبار واللطف ويضمن اللّه تعالى في مقابلها من الأعواض ما يوفي عليها . حتى لو خير أحدنا بين الألم مع تلك الأعواض وبين الصحة لاختار الألم ليصل إلى تلك الأعواض ، وليس كذلك الواحد منا فإنه لا يعرف المصلحة من المفسدة ، حتى يقال إن الإماتة والإيلام من جهته يتضمن اللطف والمصلحة ولا يضمن أيضا في مقابلها الأعواض الموفية عليها ، ففارق حالنا حال القديم تعالى ، حتى لو قدرنا وقوع ذلك من اللّه تعالى على الوجه الذي يقع منا لقبح ، أو وقوعه منا على الوجه الذي يقع من اللّه تعالى لحسن .