القاضي عبد الجبار الهمذاني

204

شرح الأصول الخمسة

القديم تعالى عالما به . وأما الذي يدل على أنه تعالى مستغن عن القبيح ، فقد تقدم أيضا ، لأنا قد بينا أنه غني لا تجوز عليه الحاجة أصلا . وأما الذي يدل على أنه تعالى عالم باستغنائه عن القبيح فقد دخل أيضا في ضمن ما تقدم . وأما الذي يدل على أن من كان هذا حاله لا يختار القبيح بوجه من الوجوه ، هو أنا نعلم ضرورة في الشهد أن أحدنا إذا كان عالما بقبح القبيح ، مستغنيا عنه عالما باستغنائه عنه ، فإنه لا يختار القبيح البتة . وإنما لا يختاره لعلمه بقبحه وبغناه عنه ، حتى لو انخرم شرط من هذه الشروط لجاز أن يختاره . وعلى هذا تجد هؤلاء الظلمة يغتصبون أموال الناس ، إما لأنهم لا يعرفون قبح الاغتصاب أو لاعتقادهم أنهم سيحوجون إليه في المستقبل . يبين ما ذكرناه ويوضحه ، أن أحدنا لو خير بين الصدق والكذب وكان النفع في أحدهما كالنفع في الآخر ، وقيل له : إن كذبت أعطيناك درهما وإن صدقت أعطيناك درهما ، وهو عالم يقبح الكذب مستغن عنه عالم باستغنائه عنه فإنه قط لا يختار الكذب على الصدق . لا ذلك إلا لعلمه بقبحه وبغناه عنه . وهذه العلة بعينها قائمة في حق القديم تعالى فيجب أن لا يختاره البتة ، لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهدا وغائبا . فإن قيل : ومن أين أن العلة في ذلك ما ذكرتموه حتى تقيسوا الغائب على الشاهد ؟ قلنا : لأن العلة ليست بأكثر من أن يثبت الحكم بثباتها ، ويزول بزوالها ، وليس هناك ما تعليق الحكم عليه أولى . فإن قيل : ومن أين أن ما جعلتموه علة مما يقف عليه الحكم ، وأنه ليس هاهنا ما تعليق الحكم به أولى ؟ قيل له : لأن الواحد منا إذا حصل فيه هذه الشروط فإنه لا يختار القبيح وإن عدم أي ما عدم ، ومتى انخرم شرط من هذه الشروط جاز أن يختاره وإن وجد أي ما وجد ، فصح أن هذا الحكم موقوف عليه ، وليس هاهنا ما تعليق الحكم به أولى . فإن قالوا : إن هذا بناء على أن الواحد منا مخير في تصرفاته ونحن لا نسلم ذلك ، فإن من مذهبنا أنه مجبر عليه في هذه الأفعال ، وأنها مخلوقة فيه . قلنا : إنا لم نبن الدلالة على مذهبكم الفاسد ، وإنما بنيناه على الدلالة .