القاضي عبد الجبار الهمذاني
181
شرح الأصول الخمسة
على عادتهم في الاختصار ، وعلى هذا قال الشاعر : فو اللّه ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رميت الجمر أم بثمان وعن جابر بن عبد اللّه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : لن يرى اللّه أحد في الدنيا ولا في الآخرة . وقد قيل لعلي عليه السلام : هل رأيت ربك ؟ فقال : ما كنت لأعبد شيئا لم أره . فقيل : كيف رأيت ؟ فقال ، لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، موصوف بالدلالات ، معروف بالآيات ، هو اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم . ثم نتأوله نحن على وجه يوافق دلالة العقل ، فنقول : المراد به سترون ربكم يوم القيامة ، أي ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر . وعلى هذا قال : لا تضامون في رؤيته ، أي لا تشكون في رؤيته فعقبه بالشك ، ولو كان بمعنى رؤية البصر لم يجز ذلك . والرؤية بمعنى العلم مما نطق به القرآن ، وورد به الشعر . فقال اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : 45 ] وقال : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) وقال : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) [ الأنبياء : 30 ] وفي الشعر : رأيت اللّه إذ سمى نزارا * وأسكنهم بمكة قاطنينا أي علمت اللّه تعالى . وقال حاتم بن طي : أماوي إن يصبح صداي بقفرة * من الأرض لا ماء لدي ولا خمر ترى أن ما أنفقت لم يك ضرني * وأن يدي مما بخلت به صفر أماوي ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر أماوي إن المال غاد ورائح * وباق من المال الأحاديث والذكر فإن قالوا : النبي صلى اللّه عليه وآله إنما أورد هذا الخبر مورد البشارة لأصحابه ، وأي بشارة في أن يعلموا اللّه تعالى في دار الآخرة ، ومعلوم أنهم يعلمونه في دار الدنيا ؟ قلنا : إنما بشرنا بالعلم الضروري ، والعلم الضروري لا يثبت إلا في دار الآخرة . فإن قالوا : أي بشارة في أن يعلم اللّه تعالى ضرورة ؟ قلنا : لأن لا يلزم مئونة النظر وتعب الفكر . فإن قال : فيجب على هذا أن يكون المنافقون والمؤمنون سواء ، لأنهم يعلمون اللّه ضرورة كالمؤمنين . قلنا : إن المنافقين والكفار وإن علموا اللّه تعالى