القاضي عبد الجبار الهمذاني
165
شرح الأصول الخمسة
وأحد الآلاء التي هي النعم ، فكأنه تعالى قال : وجوه يومئذ ناظرة آلاء ربها منتظرة ، ونعمه مترقبة . وقد أجاب شيخنا أبو عبد اللّه البصري ، بأن النظر إذا كان بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة يعدى بإلى ، فكذلك إذا كان الانتظار لا يمتنع أن يعدى بإلى لأن المجازات يسلك بها مسلك الحقائق ، وهذا إشارة إلى أن النظر بمعنى الانتظار مجاز وحقيقته تقليب الحدقة ، وليس كذلك ، لأن النظر لفظة مشتركة بين معان كثيرة على ما مر . وبعد : فلو جاز أن يعلق النظر بالعين ويراد به الانتظار ، لجاز أن يعلق به الوجه أيضا ويراد به الانتظار ، ومعلوم أنهم يعلقون النظر بالعين ويعدونه بإلى ويريدون به الانتظار . وعلى هذا قال الشاعر : تراه على قرب وإن بعد المدى * بأعين آمال إليك نواظر على أن الوجه هاهنا ليس بمقصود ، وإنما المقصود صاحب الوجه قال اللّه تعالى : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) ومعلوم أن الوجوه لا تظن وإنما أصحاب الوجوه يظنون . هذا هو التأويل الأول والكلام عليه . وأما التأويل الثاني ، فهو أن النظر بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة ، فكأنه تعالى قال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) ذكر نفسه وأراد غيره ، كما قال في موضع آخر وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي أهل القرية ، وقال : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أي إلى حيث أمرني ربي ، وقال : وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] أي وجاء أمر ربك ، وقال عنترة : هلا سألت الخيل يا ابنة مالك * إن كنت جاهلة بما لم تعلمي أي أرباب الخيل ، وقال آخر : سل الربع أني يممت أم مالك * وهل عادة للربع أن يتكلما وكلا التأويلين مرويان عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وعن عبد اللّه بن عباس ، وجماعة من الصحابة والتابعين . قالوا على التأويل : إن هذه الآية وردت في شأن أهل الجنة فكيف يجوز أن يكون بمعنى الانتظار ، لأن الانتظار يتضمن الغم والمشقة ، ويؤدي إلى التنغيص