القاضي عبد الجبار الهمذاني

162

شرح الأصول الخمسة

اللّه ورسوله في الذكر إعظاما وإجلالا للّه جل ذكره . بين العام والخاص في مجال التدليل على رؤية اللّه أو عدمها . فإن قيل : قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ عام في دار الدنيا ودار الآخرة وقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 ، 23 ] خاص في دار الآخرة ، ومن حق العام أن يحمل على الخاص ، كما أن من حق المقيد أن يحمل على المقيد . وربما يستدلون بهذه الآية ابتداء على أنه تعالى يرى في دار الآخرة . وجوابنا ، أن العام إنما يبنى على الخاص إذا أمكن تخصيصه ، وهذه الآية لا تحتمل التخصيص ، لأنه تعالى يمدح بنفي الرواية عن نفسه مدحا راجعا إلى ذاته ، وما كان نفيه مدحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا ، والنقص لا يجوز على اللّه تعالى على وجه ، وبعد ، فإن هذه الآية إنما تخصص تلك الآية إذا أفادت أنه تعالى يرى في حال من الحالات ، وليس في الآية ما يقتضي ذلك ، لأن النظر ليس هو بمعنى الرؤية . هذا هو الجواب عنه إذا تعلقوا به على هذا الوجه . فأما إذا استدلوا به ابتداء ، فالكلام عليه أن يقال لهم : ما وجه الاستدلال بالآية ؟ فإن قالوا : إنه تعالى بين أن الوجوه يوم القيامة تنظر ، إليه والنظر هو بمعنى الرؤية ، قلنا : لسنا نسلم أن النظر بمعنى الرؤية فما دليلكم عليه ؟ فلا يجدون إلى ذلك سبيلا . ثم يقال لهم : كيف يعلم أن يكون النظر بمعنى الرؤية ، ومعلوم أنهم يقولون : نظرت إلى الهلال فلم أره ، فلو كان أحدهما هو الآخر لتناقض الكلام ، ونزل منزلة قول القائل : رأيت الهلال وما رأيت ، وهذا مناقض فاسد . وبعد : فإنهم يجعلون الرؤية غاية للنظر فيقولون : نظرت حتى رأيت ، فلو كان أحدهما هو الآخر ، لكان أحدهما بمنزلة أن يجعل الشيء غاية لنفسه وذلك لا يجوز ، ولذلك لا يصح أن يقال : رأيت حتى رأيت . وبعد : فإنهم يعقبون النظر بالرؤية فيقولون : نظرت فرأيت ، فلو كان أحدهما هو الآخر ، لكان في ذلك تعقيب الشيء بنفسه وينزل منزلة قولك رأيت فرأيت ، وهذا لا يستقيم . وبعد : فإنهم ينوعون النظر فيقولون : نظرت نظر راض ، ونظرت نظر غضبان ،