القاضي عبد الجبار الهمذاني

158

شرح الأصول الخمسة

الآية واردة مورد التمدح فلا كلام في ذلك ، وإنما الكلام في جهة المدح . الأقوال في التمدح بعدم الرؤية . فمنهم من قال : إن التمدح هو بأن القديم عز وجل لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة على ما نقوله ، ومنهم من قال إن التمدح هو بأن لا يرى في دار الدنيا ، ومنهم من قال إن التمدح هو بأن لا يرى بهذه الحواس وإن جاز أن يرى بحاسة أخرى . فصح أن الآية واردة مورد التمدح على ما ذكرناه ، ولا تمدح إلا من الجهة التي نقولها . التمدح لا يقع لكونه لا يرى : فإن قيل : وأي مدح في أنه لا يرى القديم تعالى وقد شاركه فيه المعدومات وكثير من الموجودات ؟ قلنا : لم يقع التمدح بمجرد أن لا يرى ، وإنما يقع التمدح بكونه رائيا ولا يرى ، ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحا ثم بانضمام شيء آخر إليه يصير مدحا ، وهكذا فلا مدح في نفي الصاحبة والولد مجردا ، ثم إذا انضم إليه كونه حيا لا آفة به صار مدحا . وهكذا فلا مدح في أنه لا أول له ، فإن المعدومات تشاركه في ذلك ، ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه وهو كونه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موجودا ، كذلك في مسألتنا . وحاصل هذه الجملة ، أن التمدح إنما يقع لما تقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات ، والبينونة لا تقع إلا بما نقوله ، لأن الذوات على أقسام ، منها ما يرى ويرى كالواحد منا ، ومنها ما لا يرى ولا يرى كالمعدومات ، ومنها ما يرى ولا يرى كالجماد ، ومنها ما لا يرى ويرى كالقديم سبحانه وتعالى . وعلى هذا الوجه صح التمدح بقوله : وهو يطعم ولا يطعم . فإن قيل : إن ما ليس بمدح إذا انضم إلى ما هو مدح ، كيف يصير مدحا ؟ قيل له : لا مانع من ذلك ، فمعلوم أن قوله عز وجل لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 200 ] بمجرده ليس بمدح ، ثم صار مدحا لانضمامه إلى قوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، وكذلك فقولنا في اللّه تعالى أنه موجود ليس بمدح ، ثم إذا ضممنا إليه القول بأنه لا ابتداء له صار مدحا ونظائر ذلك أكثر من أن يذكر فالمنكر له متجاهل . فإن قيل : فلو جاز فيما ليس بمدح أن يصير مدحا بانضمامه إلى غيره لكان لا يمتنع أن يصير الجهل مدحا بانضمامه إلى الشجاعة وقوة القلب ، حتى يحسن أن يمدح