القاضي عبد الجبار الهمذاني

140

شرح الأصول الخمسة

ثم يقال لهم : لا تعلق لكم بالظاهر لأن هذه الباءات إنما تدخل في الآلة كقولهم شيء برجلي ، وأجذب بيدي ، وكتبت بقلمي . وليس العلم بآلة فيما دخل فيه ، فلا يصح التعلق بظاهر الآية . وإذا عدلتم عن الظاهر فلستم بالتأويل أولى منا ، فنحمله على وجه آخر يوافق الدلالة العقلية ، فنقول : قوله عز وجل : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي وهو عالم به ، وقوله تعالى : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي ونحن عالمون به ، وقوله تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ أي معلوماته ، والعلم قد يستعمل في العالم مرة وفي المعلوم مرة أخرى ، يقال : جرى هذا بعلمي ، أي وأنا عالم به ، ويقال : هذا علم أبي حنيفة وعلم الشافعي أي معلومها . وأما ما ذكروه في إثبات القدرة للّه تعالى فلا يصح ، لما قد تقدم من أن الاستدلال بالسمع على هذه المسألة غير ممكن . ثم نقول : قوله تعالى هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [ غافر : 21 ] لا يحوز حمله على ظاهره ، لأن الشدة والصلابة إنما تستعمل في الأجسام واللّه تعالى ليس بجسم ، فيجب حمله على وجه يوافق دلالة العقل ، فنقول : هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً المراد به وصف اقتداره وأنه أقدر القادرين . وبعد فلو صح لكم الاستدلال بالسمع على هذه المسألة ، لصح لنا أيضا فنستدل بقوله تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . ووجه الاستدلال أنه تعالى لو كان ذا علم على ما ذكرتموه ، لوجب أن يكون فوقه من هو أعلم منه ، لأن العليم إنما يستعمل في مبالغة العالم ، وذلك محال ، فليس إلا أنه يستحيل أنه تعالى عالم بعلم ، فيحب أن يكون عالما لذاته قادرا لذاته على ما نقوله . فصل ، لما بين رحمه اللّه الكلام فيما يستحقه تعالى من الصفات ، وكيفية استحقاقه لها ، وفرغ من الكلام في ذلك ، تكلم فيما يجب أن ينفي عنه . نفي الحاجة عن اللّه نبدأ من ذلك بكونه غنيا ، لأن الغرض به نفي الحاجة عن القديم تعالى . وجملة القول في ذلك ، أن الغنى على ضربين : غنى على الإطلاق ، والآخر غنى لا على الإطلاق . أما الغنى على الإطلاق ليس إلا اللّه تعالى ، وأما الذي ليس كذلك ، فكالواحد منا لأنه لا يستغنى مطلقا وإنما يستغنى بهذا عن ذاك وبشيء عن شيء .