القاضي عبد الجبار الهمذاني

132

شرح الأصول الخمسة

لعلمنا ، وفي علمنا أن يكون مثلا لعلمه تعالى ، وهذا يوجب أن يكونا قديمين أو محدثين ، لأن المثلين لا يجوز افتراقهما في قدم ولا حدوث ، وذلك محال . وهذه الدلالة مبنية على أصلين ، أحدهما ، هو أنه تعالى لو كان عالما بعلم لوجب في علمه أن يكون مثلا لعلمنا . وفي علمنا أن يكون مثلا لعلمه تعالى ، والثاني ، أن المثلين لا يجوز افتراقهما في قدم ولا حدوث . أما الأول ، فالذي يدل عليه هو أنه تعالى إذا كان عالما بعلم لا بد في ذلك العلم من أن يكون متعلقا بما تعلق به علمنا وهذا يقتضي تماثلهما . لأن العلمين إذا تعلقا بمتعلق واحد على أخص ما يمكن كانا مثلين ، بدليل أنه لو طرأ عليهما ضد لنفاهما جميعا ، والشيء الواحد لا يجوز أن ينفي شيئين مختلفين غير ضدين . فإن قيل : هذا إنما كان يجب إذا حصلا لعالم واحد ، فأما إذا تغاير العالمان فلا ، قلنا : تغاير العالمين بهما لا يوجب افتراقهما إلا في كيفية الوجوب ، والافتراق في ذلك والاتفاق فيه مما لاحظ له في اقتضاء الخلاف والوفاق ، ولهذا صح وجود المختلفين في محل واحد ووجود المثلين متغايرين ، لأنه لا تنافي بينهما ، ولا ما يجري مجرى التنافي . وأما الذي يدل على أن المثلين لا يجوز افتراقهما في قدم ولا حدوث ، هو ما قد ثبت أن القدم مما يقع به الخلاف والوفاق ، والصفة التي يقع بها الخلاف والوفاق ، لا يجوز اتفاق المختلفين ولا افتراق المثلين فيها ، فصح ما قلناه . وباق أنه تعالى لو كان عالما بعلم لوجب في علمه أن يكون مثلا لعلمنا ، وهذا يقتضي أن يكونا قديمين أو محدثين ، وذلك محال . والطريقة الثانية ، هو أنه تعالى لو كان عالما بعلم لكان لا يخلو ، إما أن يكون عالما بعلم واحد ، أو بعلوم منحصرة ، أو بعلوم لا نهاية لها . لا يجوز أن يكون عالما بعلوم لا تتناهى لأن وجود ما لا يتناهى محال ، ولا يجوز أن يكون عالما بعلوم منحصرة لأن انحصار العلوم يوجب انحصار المعلومات ، ولا أن يكون عالما بعلم واحد لأن العلم الواحد لا يجوز أن يتعلق بأزيد من متعلق واحد على طريق التفصيل ، فيجب أن لا يكون عالما بعلم أصلا . فإن قيل : ومن أين أن العلم الواحد لا يجوز أن يتعلق بأزيد من متعلق واحد على طريق التفصيل ؟ قلنا . لأن لو جاز أن يتعدى في التعلق من واحد إلى ما زاد عليه