القاضي عبد الجبار الهمذاني
122
شرح الأصول الخمسة
لكان ذلك المحدث لا يخلو ، إما أن يكون نفس القديم تعالى ، أو غيره من القادرين بالقدرة ، لا يجوز أن يكون غيره من القادرين بالقدرة لأن القادر بالقدرة لا يصح منه إيجاد الحياة ، إذ لو صح ذلك منه لصح أن يتخذ لنفسه ما شاء من العبيد والأولاد ، والمعلوم خلافه . على أن كوننا أحياء يترتب على كونه تعالى حيا فوجب أن لا يحصلان ولا واحد منهما . وإذا كان محدثها القديم تعالى وجب أن يترتب كونه تعالى حيا على كونه قادرا ، مع أن من حق كونه قادرا أن يترتب عليه . وهكذا الكلام في كونه موجودا . وكونه عالما ، فقريب من هذا ، لأنه تعالى لو كان عالما بعلم محدث ، والمحدث لا بد من محدث ، لكان لا يخلو ، إما أن يكون نفس القديم تعالى ، أو غيره من القادرين بالقدرة على ما قد مر في نظائره ، ولا يجوز أن يكون نفس القديم تعالى لأنه لا بد من أن يكون عالما قبل وجود هذا العلم حتى يصح منه إيجاده ، وهذا يقتضي أن يقف كونه عالما على وجود هذا العلم من قبله ، ووجود العلم من قبله على كونه عالما ، فلا يحصلان ولا واحد منهما . فإن قيل : ومن أين أنه تعالى لا بد من أن يكون عالما قبل وجود العلم ، حتى يصح منه إيجاده ؟ قلنا : لأن العلم يجري مجرى الفعل المحكم ، لأنه اعتقاد واقع على وجه مخصوص ، فلا يتأتى إيقاعه على ذلك الوجه إلا ممن هو عالم به . وهذه الدلالة مبنية على أصول ، أحدها أن العلم من قبيل الاعتقاد ، والثاني ، أنه اعتقاد واقع على وجه مخصوص ، والثالث ، أنه لا يقع على ذلك الوجه إلا ممن هو عالم به . قول أبي الهذيل مخالفا القاضي : العلم غير الاعتقاد أما الأول ، فقد خالفنا فيه شيخنا أبو الهذيل ، وقال : إن العلم جنس برأسه غير الاعتقاد . والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ، هو أن العلم لو لم يكن من قبيل الاعتقاد لصح انفصال أحدهما عن الآخر إذ لا علاقة بينهما من وجه معقول ، فكان يصح أن يكون أحدهما عالما بالشيء ولا يكون معتقدا له ساكن النفس إليه ، أو يكون معتقدا ساكن