القاضي عبد الجبار الهمذاني
112
شرح الأصول الخمسة
والتغير لا يجوز على القديم تعالى ، فليس إلا أنه غير مدرك . والجواب : ما تعنون بالتغير ؟ أتريدون به أنه حصل على صفة بعد إذ لم يكن عليها ، أو تريدون أنه صار غير ما كان ، على ما تقوله العرب في المحل إذا وجد فيه بياض بعد أن كان أسود أنه تغير على معنى أنه صار غير ما كان ؟ فإن أردتم به الأول ، فذلك كلام لا فائدة فيه ، وينزل منزلة قول القائل لو حصل القديم تعالى مدركا بعد أن لم يكن ، لحصل مدركا بعد أن لم يكن ، وذلك فاسد . وإن أردتم به الثاني ، فمن أين أنه تعالى إذا حصل على صفة لم يكن عليها وجب أن يكون قد تغير وصار غير ما كان . ثم يقال لهم ولم لا يجوز عليه هذا النوع من التغير ؟ فإن قالوا : لأن ذلك من سمات الحوادث ، قلنا : لا نسلم ذلك فبينوه ، وإذا راموا بيانه لم يجدوا إليه سبيلا . ومنها ، هو أنه تعالى لو كان مدركا لوجب احتياجه إلى الحاسة ، وأن تختلف حواسه بحسب اختلاف المحسوسات ، حتى إن كان المدرك صوتا احتاج إلى حاسة السمع ، وإن كان المدرك طعما احتاج إلى حاسة الذوق ، وكذلك الكلام في البواقي كما في الواحد منا ، والمعلوم خلافه ، فيجب أن لا يكون مدركا . والجواب ، أن أحدنا إنما يحتاج في إدراك هذه المدركات إلى الحواس لأنه حي بحياة ، والحياة لا يصيح الإدراك بها إلا بعد استعمال محلها في الإدراك ضربا من الاستعمال ، والقديم تعالى حي لذاته ، ففارق أحدهما الآخر . ومنها ، هو أنهم قالوا : لو كان اللّه تعالى مدركا لوجب أن يسمى ذائقا وشاما ولامسا ، والمعلوم خلافه ، فيجب أن لا يكون مدركا . والجواب : إن الشام ليس باسم للمدرك فقط ، وإنما هو اسم لمن يستجلب المشموم إلى الخيشوم طلبا لإدراكه ، وكذلك الذائق اسم لمن يجمع بين محل الطعم وبين لهاته طلبا للادراك به ، وكذلك الملامس فإنه اسم لمن يجمع بين محل حاسته وبين الملموس ، والقديم تعالى يدرك هذه المدركات لا على هذا الحد ، فليس يجب أن تجري عليه هذه الأسماء ، فصح ما قلناه .