ابو القاسم عبد الكريم القشيري

368

شرح الأسماء الحسنى

وفي بعض الكتب أن نبيا من الأنبياء شكا إلى اللّه الجوع والعرى والقمل فأوحى اللّه تعالى إليه : ما تعرف ما فعلت بك ، سددت عنك باب الشكر وفتحت عليك الصبر ، ومن رحمته بعباده أن يصونهم عن ملاحظة الأغيار والأطلال ، ورفع الحوائج إلى الأمثال والأشكال بصدق الرجوع إلى الملك الجبار ، وحسن الاستغناء به في جميع الأحوال . وقد حكى عن بعضهم أنه قيل له : سل حاجتك فقال : من وضع قدمه على بساط المعرفة لا يحسن أن يكون لغير اللّه عليه منة . وقال رجل لواحد منهم : ألك حاجة ؟ فقال : لا حاجة لي إلى من لا يعلم حاجتي . وقيل لممشاد الدينوري : ألا تجيء معنا إلى باب السلطان ، فإن الشيوخ مجتمعون هناك ليسعوا في شأن فلان ، فقال : وما الّذي يمنعكم عن باب اللّه تعالى ، إنما يحضر الموتى باب الموتى ، ونحن نحضر باب الملك الجبار ، وأن اللّه تعالى ربما يدنى العبد من المحنة ثم يمن عليه بعد يأسه ، بفتح باب الرحمة » قال اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ « 1 » وإذا كانت الحسنى بعد اليأس كانت أوجب للسرور والاستئناس . يحكى عن بعض الصالحين أنه قال : رأيت بعضهم في المنام فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : وزنت حسناتي وسيئاتي فرجحت سيئاتي على حسناتي ، فجاءت صرة من السماء وسقطت في كفة الحسنات فرجحت ، فحلت الصرة فإذا فيها كف تراب ألقيته في قبر مسلم . هكذا تحيط بالعبد جهات البلاء فتكشف عنه بأدنى حسنة وأقل طاعة ، فضلا منه سبحانه ورحمة .

--> ( 1 ) الشورى : 28 .