ابو القاسم عبد الكريم القشيري
339
شرح الأسماء الحسنى
قال أهل الحكمة : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لوجب على العاقل أن يزهد في الذهب الفاني ويرغب في الخزف الباقي ، فكيف والدنيا مذرة « 1 » ومآلها إلى الفناء . قال الشبلي : الدنيا مذرة ، ولك منها عبرة . وحكى عن رجل أنه اشترى دارا فحفر موضعا فوجد جرة فيها دنانير فمضى إلى البائع وقال : إني اشتريت الدار ولم أشتر الدنانير فخذ مالك ، فقال البائع : أنا بعت الدار بما فيها لا آخذها ، فتحاكما إلى القاضي فقال الحاكم : ألكما أولاد فقال أحدهما : لي ابن ، وقال الآخر : لي بنت ، فقال : زوّجا أحدهما من الآخر وأنفقا الدنانير عليهما . فهذا من صفات من لم يجعل للدنيا عنده خطرا . وحكى أن رجلين تنازعا في أرض فأنطق اللّه تعالى لبنة من جدار تلك الأرض حتى قال : إني كنت ملكا من الملوك ، ملكت الدنيا ألف سنة ثم مت وصرت رميما ألف سنة فأخذني خزاف واتخذ منى خزفا ، ثم أخذني رجل وضرب منى لبنا ، وأنا في هذا الجدار منذ كذا سنة ، فلم تتنازعا في هذه الأرض . وأما من علم أنه الصمد بمعنى أنه لا يطعم علم أنه يطعم ، قال اللّه تعالى : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ « 2 » فتتوجه رعايته عند مآربه إليه ويصدق توكله في جميع حالاته عليه فلا يتهمه في رزقه ، كما أنه لا يستعين بأحد من خلقه عليه ، فإن الّذي يحتاج إلى ملبوس ومأكول لا تصدق الرغبة إليه في مأمول ولا يرجى منه النجح لمسئول ، وإذا عرف أنه الّذي يصمد إليه في الحوائج شكا إليه فاقته ورفع إليه حاجته وتملق بجميع تضرعه وتقرّب بصنوف توسله .
--> ( 1 ) أي فاسدة . ( 2 ) الأنعام : 14 .