ابو القاسم عبد الكريم القشيري
301
شرح الأسماء الحسنى
ويكون الحق في وصفه سبحانه بمعنى يحق الحق ، والحق المفيد في وصف غيره يكون بمعنى ما يحسن فعله ويصح اعتقاده ويجوز النطق به ، يقال : هذا فعل حق ، وهذا القول حق وهذا الاعتقاد حق ، وعكسه الباطل المطلق ، يكون بمعنى المعدوم ، ويقال في اللغة : حققت الشيء وأحققته فهو حق ، ويقال : حق لك أن تقول كذا ، وحق عليك أن يفعل لك الحق ، وحقيق لك ، فيكون حقيقا فعيلا بمعنى الفاعل ويكون بمعنى المفعول . وأما الحق والحقيقة في صفات الخلق في اصطلاح هذه الطائفة فيعنون بالحق ما يعود إلى الحقائق وأوصاف القلوب من المعارف ، ويعنون بالحقيقة المعاملات والمنازلات ، وإنما أخذوا هذا الاصطلاح من خبر حارثة حيث قال له صلى اللّه عليه وسلم : « لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ » قال : أسهرت ليلى وأظمأت نهارى . . . فأشار بالحقيقة إلى المعاملات في سهر الليل وظمأ النهار . سمعت الدقاق ، رحمه اللّه تعالى ، يقول : سمعت العباس الزوزنى الزاهد يقول : كنت في ابتداء أمرى أسافر وعليّ مسح وفي عنقي غل ، فدخلت ديرا للنصارى بالشام ، فوصف لي فيه امرأة مجتهدة ، فأردت أن ألقاها فرأيتها كالخلال دقة ونحافة لكثرة الاجتهاد في طول الجوع والخلوة ، فقلت لها : ما أحسن هذا الجهد لو كان في حق ، فقالت : إن لم يكن هذا في حق فإنه حقيقة ، فأنت تدعى الحق فأين الحقيقة ؟ تعنى الجهد والمعاملة ، قال : ولم تكن لي تلك المعاملة فخجلت . فصل : اسمه الحق أكثر ما يجرى على لسان السادة الصوفية : وأكثر ما يجرى على لسان هذه الطائفة من أسمائه تعالى : الحق ، وذلك لما ذكرنا أن الحق هو الموجود ، لأن القوم ارتقوا من شهود الأفعال إلى شهود الصفات ، ثم من شهود الصفات إلى شهود الذات ، وكما أن العلماء