ابو القاسم عبد الكريم القشيري
281
شرح الأسماء الحسنى
عطائه لا تستوفى بالحصر ولا تستقصى بالذكر ، قال اللّه تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 1 » . وحكى أن رجلا من الأكابر كان قد حج حجات كثيرة فطاب قلبه ليلة فقال في مناجاته : اللهم إني قد وهبت كذا وكذا حجة من حجاتى للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولأصحابه كذا وكذا حجة ، ولوالدىّ كذا وكذا حجة ، ووهبت الباقي للمسلمين ، فهتف به هاتف : سيعلم أهل الجمع غدا من أولى منا بالجود والكرم . وأن أهل العلم بالأصول قالوا : نعم اللّه سبحانه على ضربين : نعمة نفع ونعمة دفع ، فنعمة النفع ما أولاهم ، ونعمة الدفع ما زوى عنهم وكفاهم ، ثم قالوا : إن المشركين في النار وإن لم تكن للّه تعالى عليهم نعمة نفع فله عليهم نعمة دفع ، لأنه سبحانه لا يوصل إليهم في النار ألما إلا وهو يقدر أن يوصل إليهم ألما فوق ذلك ، فإذا لم يؤلمهم بأشد مما آلمهم كان ذلك دفعا عنهم . ومن آداب من عرف أنه لا يتناهى إحسانه إليه أن يقف عن عصيانه له استحياء من كرمه وكثرة إنعامه . ومن الواجب على العبد أن يعلم أنه ليس كل إنعامه انتظام أسباب الدنيا والتمكن من تحصيل المنا والوصول فيها إلى الهوى ، بل ألطاف اللّه سبحانه إلى ما يزوى عنهم من الدنيا أكثر ، وإحسانه إليهم أوفر ، وإن قرب العبد إلى اللّه سبحانه وتعالى على حسب تباعده من الدنيا . وفي بعض الكتب : إن أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتى .
--> ( 1 ) إبراهيم : 34 .