ابو القاسم عبد الكريم القشيري
242
شرح الأسماء الحسنى
واثقا بجميل اختباره سبحانه متحققا بأن ما قسم له لا يفوته ، والّذي لم يحكم له به لا يدركه ، وإنما تنحصر الأحوال على من كان غائبا عن شهود التقدير فيضيف بعض الحادثات إلى الخلق ، ويرى البعض من الحق فأما من رأى الأشياء كلها من الحق سبحانه فإنه تهون عليه الأمور من وجه وتصعب من وجه لأنه يعلم أنه يعد أنفاسه ويعلم ظواهره وحواسه . حكى عن بعضهم أنه قال : قصدت الخواص في بعض أوقات أصابتنى فيها فاقة ومجاعة وكان معي جماعة أصابهم من المجاعة ما أصابني ، فقلت في نفسي : أباسط الشيخ في أحوالي وأحوال هؤلاء الفقراء ، قال : فلما وقع بصر الخواص عليّ قال لي : الحاجة التي جئتني فيها اللّه عالم بها أم لا ؟ فقلت : بل هو عليم ، قال : إذا فادفعها إليه ، قال : فسكت ثم انصرفت ، فلما وافيت المنزل فتح علينا بأرزاق كفتنا ذلك اليوم . وإذا علم العبد أنه سبحانه مطلع على سره عليم بأمره يكتفى من سؤاله برفع همته إليه وإحضار الحاجة بقلبه لربه من غير أن ينطق بلسانه أو يعرب ببيانه . حكى أن رجلا جاء إلى أبى يزيد البسطامي وقال : أيها الشيخ ، إن الناس قد احتاجوا إلى المطر فادع اللّه يرزقهم ذلك ، قال أبو يزيد : يا غلام ، أصلح الميزاب ، فلم يفرغ الغلام من إصلاح الميزاب حتى جاء المطر ولم يتكلم بشيء . وحكى أن رجلا ولد له مولود ببغداد بالليل ولم يكن له شيء فخرج إلى معروف الكرخي ، وكان في مسجده ، فذكر له حاله فقال : اقعد هناك ، فظهر له مشغل من الدجلة ، فلم يزل يقرب منه حتى انتهى إلى مسجد معروف ، فإذا بخادم معه صرة فقال : أنا قهرمان من دار الخليفة بعثني بهذه الدنانير إليك لتصرفها في أمر من تريد ، فقال : ادفعها إلى ذلك الرجل ، فقال : إنها ثلاثمائة دينار ، كأنه استكثر دفعها إلى رجل واحد ، فقال له معروف : كذا أردنا أن تكون .