ابو القاسم عبد الكريم القشيري
239
شرح الأسماء الحسنى
العبد في اليوم والليلة خمس صلوات لم يكلفه أن يؤديها دفعة واحدة ، بل جعلها عليه منجمة [ مفرقة ] فصلاة يومك لم يقبضها منك دفعة واحدة ، وأعطاك من الرزق يكفيك لسنين كثيرة ، وأنت تشكو وتتهم . حكى أن رجلا جاء إلى بعض الصالحين وقال : إلى كم تقولون إنه يوسع الرزق ومذ كذا يوم لم يكن في دارى شيء ولم يطعم عيالي شيئا ، حتى بعت شيئا ورثته عن أبي وورثه أبى عن جدى ، فقال الرجل الصالح : يا ضعيف اليقين والنظر ، ويا قليل الفتوة والعبر ، مذ كذا وكذا سنة قبضت منه هذا الرزق وأنت تشكوه وتتهمه . ومن لطفه بعباده أن يوصل إليهم ما يحتاجون إليه من غير تجشم كلفة ، فإن الرجل إذا أكل لقمة ، فلو فكر فيها لعلم كم عين سهرت في تلك الليلة حتى صلحت لتناوله ، من عامل أصلح الأرض لزراعتها ثم لإلقاء البذر فيها ثم لحصادها ثم لتنقيتها ثم لطحنها ثم لخبزها ، وهكذا كل شيء يرتفق به من ملبوس ومشروب ومطعوم ، فلو احتاج إلى ممارسة تلك الأشياء للحقه من المشقة ما لا طاقة له به ، ومن لطفه بعباده توفيق الطاعات وتسهيل العبادات وتيسير الموافقات ، إذ لولا ذلك لكان للمخالفات مرتكبا وفي الزلات منهمكا ، ثم من لطفه بالعباد حفظ التوحيد في القلوب وصيانة العقائد عن الارتياب وسلامة القلوب عن الاضطراب ، قال اللّه تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ « 1 » فإن بقاء المعرفة بين وحشة الزلة أعجب من إخراج اللبن من بين الفرث والدم ، ولكن جرت سنته سبحانه وتعالى يحفظ كل لطيفة بين كل كثيفة ، بل أجرى سنته بإخفاء الودائع في
--> ( 1 ) إبراهيم : 27 .