ابو القاسم عبد الكريم القشيري
228
شرح الأسماء الحسنى
الذات ، فردى الحقيقة ، غير منقسم في ذاته ، ولا متألف بشيء من أمثاله ، وسمعه وبصره لا يتعلقان بمعدوم لاستحالة أن يكون المعدوم مدركا ، وأنه لا يحجب شيء عن بصره وسمعه ، يسمع السر والنجوى ، ويبصر ما هو تحت أطباق الثرى . وكل من عرف من عباده أنه هو السميع البصير فمن آدابه دوام المراقبة ومطالبة النفس بدقيق المحاسبة . وقيل : إن رجلا من الملوك كان له عبد وكان يقبل عليه أكثر مما يقبل على أمثاله ، ولم يكن أحسن منهم صورة ولا أكثر قيمة فتعجبوا منه ، وكان قد ركب الأمير يوما في صحراء ومعه ندماؤه وغلمانه ، فنظر إلى جبل من بعيد وعليه قطعه ثلج ، فنظر الملك نظرة واحدة وأطرق ، فركض هذا الغلام دابته من غير أن ينظر الأمير إليه أو أشار بشيء عليه ، ولم يعلم الناس لم يركض ، فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء الغلام ومعه شيء من ذلك الثلج ، فسئل بم عرفت أنه أراد الثلج ؟ فقال : لأنه نظر إليه ، ونظر الملوك إلى شيء لا يكون إلا على أصل ، فقال الأمير : إنما أقبل على هذا أكثر من إقبالى على غيره بهذا الّذي رأيتم ، لأن الكل مشتغلون بأنفسهم وهذا مشتغل بمراعاة أحوالي . وإن من علامات من يعلم أنه السميع البصير أن يكون مستحييا من اطلاعه عليه وسمعه لما يقول . روى عن الصديق رضوان اللّه عليه أنه قال : إني لأغتسل في الليلة الظلماء فأحنى صلبي حياء من ربى . ويقال : إن عصيت مولاك فاعص في موضع لا يراك .