ابو القاسم عبد الكريم القشيري
226
شرح الأسماء الحسنى
وحكى أن رجلا خطر بباب أمير فرأى الناس محجوبين عليه إلا خادما كان يدخله بلا حجاب ، فسأل عن حاله ، فقيل : دار الحرام متى شاء بلا حجاب ، فقال : ولم ؟ فقالوا : إنه مفقود آلة الشهوة ، فقال : سبحان من وعظنى بعد سبعين سنة بخصى ، فمن أراد الدخول بلا حجاب فعليه بترك الشهوات . فصل : من هو العزيز ومن هو الذليل : ليس العزيز من تطاول على أشكاله بماله ورياشه « 1 » وانتظام أسباب معاشه ، ويتطاول على أبناء جنسه ويعجب بسلامة نفسه ، وينسى ما كان يقاسى في أمسه ، إنما العزيز من له ذرة من روح أنسه ، وجنب عن صحبة نفسه ، وأبناء جنسه ، وشهود قدسه . واعلم أن الذليل من اعتز بالعصيان ، وتعود موجبات النسيان ، واتصف بالكفر والطغيان ، فهو بآفاته موسوم ، وبمخالفاته في أغلب أوقاته عن وجود توفيقه محروم ، فإن المشايخ قالوا : ما أعز اللّه عبدا بمثل ما يدله على ذل نفسه ، وما أذل اللّه عبدا بمثل ما يرده إلى توهم عزه . وقيل في معنى قوله تعالى : وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ « 2 » تعز من تشاء بأن يكون لك بك معك بين يديك ، وتذل من تشاء بأن يكون في أسر نفسه وغطاء شهواته وسجن تمنيه وآفاته ، يصبح عجوبا ويمسى محروما لا بالطاعات توفيق ، ولا بالقلب تصديق ، ولا في الحال تحقيق ، نعوذ باللّه من شر الأقدار وسوء الاختيار ، وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) الرياش : هو الغنى بالمال ، وذو رياش أي صاحب مال كثير . ( 2 ) آل عمران : 26 .