فخر الدين الرازي

86

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

ذلك العوض هو الإسعاف بمطلوبه وذلك إذا وافق القضاء ، فإن لم يساعد القضاء فإنه يعطى الداعي سكينة في نفسه وانشراحا في صدره وصبرا يسهل معه تحمل ما يرد عليه من البلاء . وروى أبو هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من مؤمن ينصب وجهه للّه يسأله مسئلة إلا أعطاه إياها إما عجلها له في الدنيا وإما ادخرها له في الآخرة » . الحجة الثالثة : أنه تعالى لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه إذا لم يسأل غضب ، قال تعالى « فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » « 1 » وقال عليه الصلاة والسلام « لا ينبغي لأحدكم أن يقول اغفر لي إن شئت ولكن ليجزم المسألة فيقول اللهم اغفر لي » . الحجة الرابعة : قوله عليه الصلاة والسلام « الدعاء مخ العبادة » وعن النعمان ابن بشير رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « الدعاء هي العبادة » وقرأ « وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » « 2 » قال أبو سليمان الخطابي وإنما أنث على نية الدعوة والمسألة أو الكلمة ونحوها وقوله « الدعاء هي العبادة » معناه أنه معظم العبادة كقولهم الناس بنو تميم ، والمال الإبل ؛ يريدون أنهم أفضل الناس ، وأن الإبل أفضل أنواع المال ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام « الحج عرفة » . الحجة الخامسة : قوله تعالى « ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً » « 3 » وقال تعالى « قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ » « 4 » وبالجملة فالآيات في هذا الباب كثيرة ، ومن طعن في الدعاء فقد طعن في القرآن وأبطله .

--> ( 1 ) الآية 43 من سورة الأنعام . ( 2 ) جزء من الآية 60 من سورة غافر . ( 3 ) جزء من الآية 55 من سورة الأعراف . ( 4 ) جزء من الآية 77 من سورة الفرقان .