فخر الدين الرازي

83

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

الفصل التاسع في حقيقة الدعاء قال أبو سليمان الخطابي : الدعاء مصدر من قولك دعوت الشيء أدعوه دعاه ثم أقاموا المصدر مقام الاسم تقول سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتا ، وقد يوضع المصدر موضع الاسم كقولهم رجل عدل ، وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه العناية واستمداده إياه المعونة ، وحقيقته إظهار الافتقار إليه والاعتراف بالبراءة من الحول والقوة إلا له ، وهو سمة العبودية وإظهار الذلة البشرية ، وفيه معنى الثناء على اللّه تعالى وإضافة الجود والكرم إليه . وأقول : من الجهال من قال الدعاء عديم الأثر لا فائدة فيه واحتج بوجوه . الشبهة الأولى : إن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الدعاء وإن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة في الدعاء : الشبهة الثانية : إن كان الحق أراد إيقاع ذلك المطلوب وقع من غير الدعاء وإن كان لم يرد إيجاده في الأزل لم يكن في الدعاء فائدة . ليس لقائل أن يقول الدعاء يرد ذلك الحكم ، لأن فعل الخلق لا يمكن أن يغير صفة الحق ، وربما عبر بعضهم عن ذلك بأن الأقدار سابقة والأقضية أزلية والدعاء لا يغير الأحكام الأزلية فلا فائدة في الدعاء الشبهة الثالثة : أنه سبحانه وتعالى علام الغيوب يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، فأي حاجة بالداعي إلى هذا الدعاء ، ولهذا السبب فإن جبريل عليه السلام لما أمر الخليل عليه الصلاة والسلام بالدعاء قال « حسبي من سؤالي علمه بحالي » ثم إن الخليل عليه الصلاة والسلام استوجب بترك الدعاء في ذلك المقام الدرجة عند اللّه تعالى ، فثبت أن ترك الدعاء أولى . الشبهة الرابعة : المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح الداعي فالجواد الحق لا يتركه والحكيم الحق لا يهمله ، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز له بالاتفاق . الشبهة الخامسة : روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « قدر اللّه المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عاما » ، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال « جرى القلم بما هو كائن » وقال عليه الصلاة والسلام « أربع