فخر الدين الرازي

66

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

قلنا : التزايد الحاصل بسبب الفكر سبب القوة والكمال ، لأن كل درجة تحصل إذا كانت مقوية لما كانت حاصلة قبل ذلك لم يزل التأكيد والتشديد في التزايد . الحجة العاشرة : نقل أنه عليه الصلاة والسلام كان دائم الفكر ولم ينقل أنه كان دائم الذكر ؛ فالفكر أفضل . وأما القائلون بتفضيل الذكر فقد احتجوا بوجوه . الحجة الأولى : أهل الجنة ليس لهم فكر ولهم ذكر فوجب أن يكون الذكر أفضل من الفكر ، وإنما قلنا إن أهل الجنة ليس لهم فكر لوجوه : الأول أن المعارف في الجنة ضرورية ، الثاني أن الفكر تعب ونصب وأهل الجنة لا ينالهم فيها نصب . الثالث : أنهم إذا أرادوا العلم بشيء حصل لهم ذلك العلم لقوله تعالى « وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ » « 1 » . الرابع : أن الناظر طالب والطالب فاقد للمطلوب ، وفقدان المطلوب حجاب والحجاب صفة الكفار لا صفة المؤمنين ؛ كما قال تعالى « كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ » الخامس أن فقدان المطلوب يوجب الغم واللّه تعالى شهد أنهم ليس بهم غم ، قال تعالى حكاية عنهم « وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ » « 2 » فدل على أن أهل الجنة ليس لهم فكر ، وتبت أن لهم ذكرا ، فوجب أن يكون الذكر أفضل من الفكر . الحجة الثانية : أن آخر مراتب النبي صلى اللّه عليه وسلم في التصاعد والتزايد في المعراج هو أنه صار مأمورا بالذكر فإنه لما قال له اثن عليّ فقال « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ولم يؤمر بالفكر البتة فوجب أن يكون الذكر أفضل من الفكر .

--> ( 1 ) جزء من الآية 102 من سورة الأنبياء . ( 2 ) الآيتان 34 ، 35 من سورة فاطر .