فخر الدين الرازي
45
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
أو شيء آخر واجب الوجود إلى أن يقوم البرهان على أن ذلك المؤثر ليس إلا اللّه سبحانه وتعالى ، والمعلوم مغاير للمشكوك . وثانيها : أنه لا يمكن أن يكون كونه خالقا هو نفس وجود المخلوق لوجوه . الأول : أن الخالقية صفة للخالق فلو كان المفهوم منها هو نفس وجود المخلوق لزم كون المخلوق صفة للخالق وهو محال . والثاني : أنا متى سئلنا أن هذا المخلوق لم وجد ؟ أجبنا بأنه إنما وجد لأن الخالق خلقه ، فلو كان كون الخالق خالقا عبارة عن عين وجود المخلوق لكان يرجع حاصل الكلام إلى أن نقول إنما وجد ذلك المخلوق لأنه وجد ذلك المخلوق ، فيكون الشيء قد وجد بنفسه والقول بذلك نفى الخالق والمخلوق وهو محال . الثالث : أنا لما عللنا وجود المخلوق بأن الخالق خلقه وجب أن يكون كون الخالق خالقا مغايرا لوجود المخلوق لأن تعليل الشيء بنفسه محال . فثبت بمجموع ما ذكرنا أن المفهوم من كونه خالقا أمر ثبوتي مغاير لذات الخالق ولذات المخلوق ، وثبت أن الخالق ليس نفس المخلوق . ثم في هذا المقام أضربت العقول فمنهم من قال هذا الخلق محدث ومنهم من قال إنه قديم ، والقائلون بأنه محدث منهم من قال يحدث ذلك الخلق في ذات اللّه تعالى وهم الكرامية ، ومنهم من قال يحدث ذلك الخلق في ذات اللّه لا في محل وهم قوم من قدماء المعتزلة ، فقيل لهؤلاء لو كان الخلق محدثا لافتقر إلى خالق آخر والكلام في كيفية خلق ذلك كما في نفس ذلك الخلق فيلزم التسلسل وهو محال ، فبقى أن يكون ذلك الخلق قديما ، وعند هذا جاء الإشكال العظيم من وجهين . الأول : وهو أن الخلق لو كان قديما لكان المخلوق قديما فيلزم قدم العالم وهو محال . وإنما قلنا لو كان الخلق قديما لكان المخلوق قديما ؛ لأن قبل وجود المخلوق يصدق على القادر أنه بعد ما خلقه وما أخرجه بعد من العدم إلى الوجود ولكنه سيخلقه بعد ذلك ، وعند دخول المقدور في الوجود يصدق عليه أنه خلقه وأخرجه