فخر الدين الرازي

28

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

إذا عرفت هذا فنقول : كل واحد من القسمين مختص بنوع شرف لا يحصل في القسم الآخر ، أما الاسم فهو أشرف من الصفة لوجوه . الأول : أن الاسم أقدم من الصفة لأن المراد من الصفات الأسماء المشتقة ، ولا شك أن الأسماء الموضوعة أصل للأسماء المشتقة ، إذ لو لم تنته المشتقات إلى اسم موضوع ابتداء غير مشتق لزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان . والثاني : أن الأسماء المشتقة مركبة من الأسماء ، والموضوعة مفردة ولا شك أن المفرد أصل المركب والثالث : أن الأسماء الموضوعة أسماء الذوات وأما المشتقة فإنها أسماء الصفات مع إضافة مخصوصة ، والذات أشرف من الصفة ، فوجب أن تكون الأسماء أشرف من الصفات ، فهذا ما يتعلق بتفضيل الأسماء . وأما الصفات فقال أبو زيد البلخي : الصفات أشرف من الأسماء ؛ وذلك لأن الاسم لا يفيد السامع شيئا إلا دلالة مجملة ، فإن من سمع لفظ الرجل عرف أنه أراد شيئا فأما أن ذلك الشيء ما هو فإنه لا يحصل بذكر هذا الاسم ، وأما الصفات فإنها تعرّف ماهيات الأشياء وحقائقها وأحوالها ، ولذلك فإن كل من أراد تعريف ماهية فإنه لا يمكنه تعريفها إلا بذكر صفاتها وأحوالها وخواصها ، فثبت أن الصفات أشرف من الأسماء من هذا الوجه . ولقائل أن يقول : اللفظ الدال على الصفة معناه اللفظ الدال على كون الذات موصوفة بالصفة الفلانية ، فما لم يتقدم العلم بتلك الصفة لم يمكن حصول العلم بأن شيئا آخر موصوف بها ، فإذا معرفة الأسماء المشتقة موقوفة على معرفة الأسماء الموضوعة لتعريف تلك الصفات المخصوصة ، فثبت أن المعرف للأسماء المشتقة موقوف على معرفة الأسماء الموضوعة ، وكان كلام أبى زيد عكس ما ذكرناه - واللّه أعلم .