فخر الدين الرازي

142

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

الثاني : أن هذه الكلمة واقية لبدنك عن السيف ، ولمالك عن الاستغنام ، ولذمتك عن الجزية ، ولأولادك عن السبي ؛ فإن انضاف إلى اللسان القلب صارت واقية لقلبك عن الكفر ؛ فإن انضم التوفيق إليه صارت واقية لجوارحك عن المعاصي ، ثم قال : « وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى » أي نحن ألزمناهم هذه الكلمة للتي هي المفتاح لباب المحبة ، فنحن أردناهم أولا ، وهم إنما أرادونا بعد ذلك ، فلنا المنة عليهم في فتح هذا الباب ، فلهذا قال تعالى : « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ » « 1 » . الاسم العاشر : ( الكلمة الباقية ) قال المفسرون في قوله « وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ » « 2 » أنها قول لا إله إلا اللّه ، ويدل عليه وجوه . الأول : ما تقدم مقدمة هذه الآية وهو قوله : « إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ » « 3 » وكان معنى قوله ( إنني براء ) نفى الإلهية عن الأشياء التي كانوا يعبدونها ، ثم قال : « إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي » فكان فيه إثبات الإلهية للّه الّذي فطره ، فإذا حصل هذان المعنيان كان مجموعهما هو قول : لا إله إلا اللّه ثم قال : « وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ » فثبت أن المراد من الكلمة الباقية هو قول لا إله إلا اللّه . الثاني : قوله تعالى في آخر سورة القصص « وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » « 4 » فبين أن كل شيء هالك إلا هو ، فإنه واجب الدوام والبقاء بذاته ، وقد عرفت أن القول يتبع المقول ؛ والاعتقاد يتبع المعتقد ، فكان صدق لا إله إلا اللّه ، وحقيقتها واجب الثبوت والبقاء ، وذلك هو المراد بكون الكلمة باقية .

--> ( 1 ) جزء من الآية 17 من سورة الحجرات . ( 2 ) جزء من الآية 28 من سورة الزخرف . ( 3 ) جزء من الآية 26 ، 27 من سورة الزخرف . ( 4 ) جزء من الآية 88 من سورة القصص .