فخر الدين الرازي

133

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

واعلم أن الإقرار باللسان له درجة واحدة ، وأما الاعتقاد بالقلب فله درجات مختلفة بحسب قوة الاعتقاد وضعفه ؛ ودوامه وعدم دوامه ؛ وكثرة تلك الاعتقادات وقلتها : فإن المقلد ربما كان مقلدا في أن اللّه تعالى واحد فقط ، وربما كان مقلدا في ذلك ؛ وفي أكثر المسائل المعتبرة في صحة الدين ؛ واعلم أنه كلما كان وقوف الإنسان على هذه المطالب أكثر ؛ كان تشوش أمر التقليد عليه أكثر . وأما المرتبة الثالثة : وهي تقوية الاعتقاد بالدلائل الإقناعية : فمراتب الخلق فيها غير مضبوطة . وأما المرتبة الرابعة : وهي الترقي من الدلائل الإقناعية إلى الدلائل القطعية ؛ فالأشخاص الذين يصلون إلى هذه الدرجة يكونون في غاية القلة ، ونهاية الندرة : لأن ذلك يتوقف على معرفة شرائط البراهين واستعمالها في المطالب ، وذلك في غاية القوة . وأما المرتبة الخامسة : وهم أصحاب المشاهدات ، فنسبتهم في القلة إلى أصحاب البراهين القطعية كنسبة أصحاب البراهين القطعية إلى سائر الخلق . واعلم أن عوالم المكاشفات لا نهاية لها ، لأنها عبارة عن سفر العقل في مقامات جلال اللّه ، ومدارج عظمته ، ومنازل آثار كبريائه ، وقدسه ، ولما كان لا نهاية لهذه المقامات ، فكذلك لا نهاية للسفر في تلك المقامات . واعلم أن أرباب الحقيقة رتبوا لأصحاب المكاشفات مراتب ست ، ثلاث منها لأصحاب البدايات ، وثلاث لأصحاب النهايات ، أما التي لأصحاب البدايات فهي : اللوائح ، واللوامع ، والطوالع ؛ وذلك لأن أرباب البدايات لا يدوم لهم ضياء شموس المعارف . ولكن الحق يؤتى أرزاق قلوبهم وأرواحهم في كل حين . كما قال تعالى « وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا » « 1 » كلما أظلمت عليهم سماء القلوب

--> ( 1 ) جزء من الآية 62 من سورة مريم .