فخر الدين الرازي
130
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
إخراج لكل ما سوى اللّه عن القلب ، حتى إذا صار خاليا عن كل ما سوى اللّه ، ثم حضر فيه سلطان إلا اللّه أشرق نوره إشراقا تاما ، وكمل لمعانيه فيه كمالا ظاهرا . الثالث : أن النفي الحاصل بلا يجرى مجرى الطهارة ، والإثبات الحاصل بإلا يجرى مجرى الصلاة ، فكما أن الطهارة مقدمة على الصلاة ، فكذا وجب تقديم لا على إلا ويجرى مجرى تقديم الاستعاذة على القراءة ، وأيضا من أراد أن يحضر الملك في بيت وجب عليه أن يقدم تطهير البيت عن الأقذار ؛ فكذا هاهنا . ومن هذا قال المحققون : النصف الأول من هذه الكلمات تنظيف الأسرار ، والثاني جلاء الأنوار عن حضرة الملك الجبار . النصف الأول فناء ، والثاني بقاء . الأول انفصال عما سوى الحق ، والثاني اتصال بالحق ، الأول إشارة إلى قوله : « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ » « 1 » والثاني إشارة إلى قوله : « قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ » « 2 » . المسألة السابعة : المعرفة التامة للّه : لقائل أن يقول : إن من عرف أن للعالم صانعا قادرا عالما موصوفا بجميع الصفات المعتبرة في الإلهية فقد عرف اللّه معرفة تامة ؛ ثم إن علمه بعدم الإله الثاني لا يزيد الإله كمالا في صفاته ؛ لأن عدم غيره لا يكون صفة له ، فضلا عن أن يكون من صفات كماله ، فما السبب في أن العلم به لا يكفى في حصول السعادة ، بل لا بد مع العلم بوجوده من العلم بعدم الشريك . والجواب : أن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد أنه عبد لهذا أو لذاك أو لهما جميعا ، فحينئذ لا يكون خادما بكونه شاكرا لمولاه وخالقه ، وأيضا لم يظهر افتقاره إليه ، لأنه يقول إن كان لا يقبلني فلعله يقبلني شريكه ، أما إذا عرف أنه لا إله للعالم إلا الواحد فحينئذ يكون مخلصا في عبوديته والافتقار إليه ، ومخلصا في أنه لا ملجأ له إلا رحمته ، ولا منجا له إلا كرمه وجوده .
--> ( 1 ) جزء من الآية 50 من سورة الذاريات . ( 2 ) جزء من الآية 91 من سورة الأنعام .