فخر الدين الرازي

117

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

وسمعت أن الموفق باللّه لما حج ، وكان عنده جماعة من المنجمين قال لهم : إنكم تدعون استخراج الضمائر ، وإني أضمرت شيئا فاستخرجوه . وقال كل واحد منهم شيئا فكذبهم إلى أن قال أبو معشر البلخي : إنك أضمرت ذكر اللّه سبحانه وتعالى : فقال صدقت ، فأخبرني كيف علمت ذلك ؟ قال : لما أضمرت أخذت الارتفاع ، فوجدت الرأس في وسط السماء والرأس بقطر لا يرى ، ولكن يرى آثار سعادته ، ووسط السماء أرفع موضع في الفلك ، فعلمت أنك أضمرت شيئا لا يرى ذاته ، ولكن يرى آثار كرمه ، وجوده أرفع الموجودات ، وما ذاك إلا للّه سبحانه وتعالى . القول الخامس : أنه مأخوذ من قولك ألهت بالمكان إذا أقمت فيه ، قال الشاعر « 1 » : ألهنا بدار ما تبين رسومها * كأن بقاياها وشام على اليد فهو تعالى إنما استحق هذا الاسم لدوام وجوده من الأزل إلى الأبد ، وسيأتي الكلام في شرح معنى الأزل والأبد . القول السادس : أنه مشتق من أله الرجل يأله إذا تحير ، فالبارى سبحانه وتعالى مسمى بهذا الاسم لأن العقول متحيرة في كنه جماله وجلاله . واعلم أن الأرواح البشرية وإن كانت نورانية الجوهر إلا أنها احتبست في قعر ظلمات الأبدان الجسمانية مدة مديدة ، وألفت هذه الظلمات ، والأطباء يقولون : إن من بقي محبوسا مدة مديدة في السجن المظلم فإذا خرج من تلك الظلمات وفتح عينيه دفعة واحدة عمى ، لأن نور عينيه ضعف في تلك الظلمة ، فإذا فتح عينيه قهر نور الشمس ذلك النور الضعيف ، فيعمى بل الطريق له أن يستعمل أولا أنواع الأكحال المقوية ، وينظر أولا إلى الأنوار الضعيفة ، ثم لا يزال

--> ( 1 ) هو امرؤ القيس بن عابس .