فخر الدين الرازي

112

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

المسألة الثالثة : اشتقاق لفظة [ اللّه ] : القائلون بأن هذه اللفظة مشتقة ذكروا وجوها : الأول أنها مشتقة من أله الرجل إلى الرجل يأله إليه إذا فزع إليه من أمر نزل به ؛ فآلهه أي أجاره ؛ وأمنه ؛ فيسمى إلها كما يسمى الرجل إماما إذا أمّ الناس . فأتموا به ؛ وكما يسمى الثوب رداء ولحافا إذا ارتدى به والتحف به ؛ ثم إنه لما كان اسما لعظيم « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » « 1 » أرادوا تفخيمه بالتعريف الّذي هو الألف واللام فقالوا الإلاه ؛ ثم استثقلوا الهمزة في كلمة يكثر استعمالهم لها ؛ وللهمزة في وسط الكلمة ضغطة شديدة ؛ فحذفوها فصار الاسم كما نزل به القرآن ؛ وهو اللّه تعالى ، وإلى هذا القول ذهب الحارث بن أسد المحاسبي ؛ وجماعة من العلماء ؛ ومن الناس من طعن فيه من وجوه . الأول : أنه تعالى إله الجمادات والبهائم ، وإن لم يوجد منهم الفزع إليه في الحوائج . الثاني : أنه تعالى ما كان مفزع الحلق في الأزل ؛ فوجب أن يقال إنه ما كان إلها في الأزل . الثالث : قد بينا أن أشرف أسماء اللّه هو هذا الاسم ؛ ويبعد في العقل أن يكون أشرف أسماء اللّه مشتقا من قبل أفعال صادرة عن الخلق ؛ بل الاسم المشتق من الصفة الذاتية للّه تعالى يكون أشرف لا محالة من الأسماء المشتقة من أفعال الخلق ؛ لأن ما كان مشتقا من الصفات الذاتية كانت دائمة الوجود ، وواجبة الثبوت ؛ مبرأة من الزيادة والنقصان ، وما كان مشتقا من أفعال الخلق كان بالضد من ذلك . والجواب عن الأول : أن الجمادات والبهائم وإن لم يكن لها فزع إلى اللّه ولكن لكل واحد من الممكنات احتياج في ذاته وصفاته إلى إيجاد اللّه وتكوينه ، فكان ذلك عبارة عن هذا الفزع .

--> ( 1 ) جزء من الآية 11 من سورة الشورى .