فخر الدين الرازي

103

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

واعلم أن الّذي روى عنه عليه الصلاة والسلام لا تفضلوني على يونس بن متى » فهو محمول على هذا المقام ، وذلك لأن النفي الّذي أشار إليه سيدنا محمد من فوق العرش فقال « أنت كما أثنيت على نفسك » هو الّذي أشار إليه يونس في قعر البحر : « لا إله إلا أنت » فكل واحد منهما مخاطب للرب بقوله « أنت » فقال عليه الصلاة والسلام : لا تفضلوني عليه في القرب من اللّه لأجل أنى كنت فوق العرش وكان هو في قعر البحر فإن المعبود منزه عن المكان والجهة ، فلم يكن الصعود على العرش سببا لمزيد القرب ولا التسفل في قعر البحر سببا لمزيد البعد ، وهذا من أصدق الدلائل على كونه سبحانه منزها عن الجهة ؛ لأن محمدا خاطبه بقوله أنت وهو في أطباق السماوات ، والمؤمنون خاطبوه بقولهم أنت وهم في الأرض ، ويونس خاطبه بقوله أنت وهو في قعر البحر ، ولو كان في جهة ومكان لما كان كل هؤلاء على اختلاف درجاتهم في المكان حاضرين ، فلما كان الكل حاضرين ظهر أن المعبود مقدس عن المكان والجهة ، وأما كلمة هو فقد عرفت أنها مختصة بالغائبين ، واعلم أن هذا الاسم في غاية الشرف والجلالة في حق الحق سبحانه ، ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : أن الأسماء إما أن تكون من باب الأسماء المشتقة ، أو من باب أسماء الأعلام ، أو من باب المضمرات ، أما الأسماء المشتقة فإن نفس تصورها لا يمنع من الشركة ، وكل اسم دل على ذاته المخصوصة من حيث إنها هي ، وأما أسماء الأعلام فقد قالوا إنها قائمة مقام الإشارة ؛ فلا فرق بين قولك يا أنت ، ويا هو ، وإذا كان العلم قائما مقام الإشارة كان العلم فرعا ، واسم الإشارة أصلا ، والأصل أشرف من الفرع ، فيلزم أن يكون قولنا يا أنت ويا هو ، أشرف الأسماء بالكلية . الحجة الثانية : أنا قد بينا أن حقيقة الحق سبحانه منزهة عن جميع أنحاء التركيبات ، والفرد المطلق لا يمكن نعته ، لأن وصف الشيء بالشيء يقتضي حصول