غازي عناية
84
شبهات حول القرآن وتفنيدها
الواضح على سفاهة عقولهم ، ودناءة أفهامهم ، وأفكارهم . ونحن نتحداهم بالدليل القاطع ، وبأن يأتوا بالدليل العابر على انحطاط هذا القرآن ، وبقسميه المكي ، والمدني - وأهل مكة اتصفوا بصعوبة المراس ، وشدة العناد ، والرغبة عن الانقياد لما ينقذهم من شفا جرف انهار بهم في جهنم - فجاء القرآن مناسبا لمثل هذا الوسط العنيد شديد المراس . وهل يطمعون أن يأتي قرآن سماته الليونة ، والتعطف في المخاطبة ، والرجاء في الانقياد ؟ فهذا ، واللّه ، ليس بالصالح لهم . وبذلك خاطبهم بالحكمة الجادة ، والموعظة الصادقة لعلهم يؤمنون ، ولم يؤمنوا . فاللّه تعالى يقول : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ سورة النحل آية 125 . وهذه سمة القرآن الكريم في أسلوب التقريع ، وبقسميه المكي ، والمدني ، وليس بالمكي فقط . فاللّه تعالى يقول في سورة البقرة ، وهي مدنية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ آية 6 . الثاني : إن تفسير الانحطاط بقصر الآيات والسور ، أو الخلو من التشريع ، والتفصيل ، أمر لا يمكن أن يخطر للعقول السليمة ، ولا يمكن أن يكون دليلا على الانحطاط المزعوم . فالقصر هو مظهر الإيجاز ، وهو مظهر للرقي البلاغي ، والبياني في التخاطب . وقديما قيل : خير الكلام ما قل ، ودل . ولنا القول المفعم بالثقة : إن قصر القرآن المكي قصر رقي ، وليس قصر انحطاط . وهو قصر جاء في محله ، ووسطه ، وقديما قيل : لكل مقام مقال ، وهو قصر جاء بمعناه ، ودلالته ، وخير الكلام ما كانت دلالته على معناه ، فكان قصر بلاغة ، وفصاحة ، وبيان مناسبا لوسط أهل مكة المعروفين بالبلاغة ، والفصاحة ، والبيان ، فأين الانحطاط ، وأين التسيب في القول أو الدلالة ؟ وأين الاختلال في الأداء ، والشرح ، والمعنى ؟ ! وكذلك بالنسبة لخلو المكي من التشريع : فكيف يفسر بالانحطاط ، وهو لم يخل من التشريع ؟ ! ! وكيف يفسر القرآن المكي بالانحطاط ، وقد أجاد التنقل في المخاطبة من وسط إلى وسط . وهل يعقل أن يبدأ القرآن في مكة بتفصيل الأحكام ، وبيان التشريع ، وقبل أن يخاطب العقول ، ويطهرها من عقائد الوثنية ، والكفر ، والشرك ؟ ! !