غازي عناية
55
شبهات حول القرآن وتفنيدها
بعد حفظ ، ومن بعد وعي ، ومن بعد تبليغ . وهذه صفات بشرية ، والرسول بشر ، يصح منه النسيان ، ويصح أن يغفل عما حفظ من القرآن سيتذكره فيما بعد ؛ ولو حصل منه شيء من ذلك النسيان ، أو الغفلة ، فهذا لا يعني إسقاطا ، ولا امحاء ، لأن القرآن سبق أن حفظ ، ودون ، وجمع من قبل الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » وصحابته . ثانيا : وأما بالنسبة للآية القرآنية التي استندوا إليها في تأييد شبهتهم : بأن الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » أسقط عمدا ، أو أنسي شيئا من القرآن ، فهي قوله تعالى في سورة الأعلى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ سورة الأعلى آية 6 - 7 . وأصحاب هذه الشبهة يرون أن ما جاء في الآية يدل بطريق الاستثناء الواقع فيه على أن محمدا « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » قد أسقط عمدا ، أو أنسي آيات لم يتوفر له من يذكره إياها . ويرد عليهم : بأن الاستثناء الوارد في الآية بجملة : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ معناه : أن عدم نسيان الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » هو بفضل من اللّه تعالى ، ومشيئته ، ولا يعني النسيان بذاته ، قوله تعالى : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ يعلق وقوع النسيان على مشيئة اللّه إياه ، والمشيئة لم تقع ، والنسيان لم يقع ، وبالقاعدة : فإن عدم حصول المعلق عليه ، « وهو مشيئة اللّه » يستلزم عدم حصول المعلق ، وهو النسيان . ودليل ذلك أن العناية الإلهية ، والمشيئة الربانية ، اقتضتا جمع القرآن ، ومن ثم بيانه ، وتبليغه على لسان الرسول « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » ، وهذا يتنافى مع وقوع النسيان مصداق قوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ . ومن هنا يبقى الاستثناء الوارد في الآية استثناء صوريا ، وليس حقيقيا ، فاللّه تعالى وعد رسوله أن يقرئه القرآن فلا ينساه ، وعلى وجه التأييد . قال الإمام محمد عبده في تفسيره للاستثناء الوارد في الآية ما نصه : « ولما كان الوعد على وجه التأييد ، واللزوم ، ربما يوهم أن قدرة اللّه