غازي عناية

39

شبهات حول القرآن وتفنيدها

ولعل من المفيد أن نختم الرد على هذه الشبهة بما قاله المفكر المسلم محمد عبد اللّه دراز في كتابه « النبأ العظيم » حيث يقول : « هذا الرأي هو الذي يروجه الملحدون اليوم باسم « الوحي النفسي » زاعمين أنهم بهذه التسمية قد جاءونا برأي علمي جديد ، وما هو بجديد ، وإنما هو الجاهلي القديم ، لا يختلف عنه في جملته ، ولا في تفصيله ، فقد صوروا النبي « صلّى اللّه عليه وآله وسلم » رجلا ذا خيال واسع ، وإحساس عميق ، فهو إذن شاعر ، ثم زادوا ، فجعلوا وجدانه يطغى كثيرا على حواسه ، حيث يخيل إليه أنّه يرى ويسمع شخصا يكلمه . وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة أخيلته ووجدانه ، فهو إذن الجنون أو أضغاث الأحلام . على أنهم لم يطيقوا الثبات طويلا على هذه التعليلات ، فقد اضطروا أن يهجروا كلمة الوحي النفسي حينما بدا لهم في القرآن جانب الأخبار الماضية والمستقبلية ؛ فقالوا لعله تلقفها من أفواه العلماء في أسفاره للتجارة ، فهو إذن قد علمه بشر . فأي جديد ترى في هذا كله ؟ ! ! أليس كله حديثا معادا يضاهون به قول جهال قريش ! ! وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة متسخة ، بل ممسوخة منه في أقدم أثوابه ، وكان غذاء هذه الأفكار المتحضرة في العصر الحديث مستمدا من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجرة في عصور الجاهلية الأولى مصداق قوله تعالى في سورة البقرة : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ الآية 118 . وإن تعجب فعجب قولهم مع هذا كله إنّه كان صادقا أمينا ، وإنّه كان معذورا في نسبة رؤاه إلى الوحي الإلهي ؛ لأن أحلامه القوية صورتها له وحيا إلهيا ، فما شهد إلا بما علم ، وهكذا حكى اللّه لنا عن أسلافهم ، حيث يقول في سورة الأنعام : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ الآية 33 . فإن كان هذا عذره في تصوير رؤاه وسماعه ، فما عذره في دعواه أنّه لم يكن يعلم تلك الأنباء لا هو ولا قومه من قبل هذا ، بينما هو سمعها بزعمهم من قبل . فليقولوا إذن : إنّه افتراه ، ليتم لهم بذلك محاكاة كل الأقاويل . وهم يدعون التعقل ، ألا فقد قالوها من حيث لا يشعرون » .