عبد الملك الجويني

94

الشامل في أصول الدين

فهذه جمل من مذاهب الملحدة . فأما المنجمون فسنعقد عليهم بابا في أثناء الكتاب إن شاء اللّه عز وجل . وأما تفصيل الرد على الدهرية المثبتين حوادث لا أول لها ، فقد سبق على أوضح وجه . [ الرد على الفلاسفة القائلين بالعنصر والهيولى ] وأما وجه الرد على الفلاسفة القائلين بالعنصر والهيولى فهو أن نقول : أنتم لا تخلون إما أن تزعموا أن العنصر الذي أثبتموه كان جواهر متعددة ، وإما أن تزعموا أنه متحد الذات غير متصف بالتعدد والانقسام . فإن أثبتم جواهر وحكمتم بوجودها ، اطردت عليكم الأدلة التي قدرناها في استحالة تعري الجواهر عن الأكوان ، وقيل لكم : لا تعقل الجواهر غير متلاصقة ولا متباعدة ، ولا نعيد ما سبق . وإن زعم الخصم أن العنصر متحد الذات ، كان ذلك باطلا من أوجه : أقربها أن نقول : جواهر العالم وأجسامه متعددة متغايرة ، مدرك تعددها وتغايرها ضرورة وبديهية ، فلا تخلون بعد ذلك إما أن تزعموا : أن هذه الأجسام كانت موجودة في الأزل ، أو تزعموا أنها لم تكن موجودة في الأزل ، أو تزعموا أن الموجود عنصرها وهو عين الأجسام المتغايرة . فإن زعمتم أن هذه الأجسام المتغايرة المتعددة كانت موجودة في الأزل ، فيجب أن تكون متعددة . فإنا نعلم بضرورة العقل أن من أثبت ذاتين فيما لا يزال ، وأثبتهما في الأزل ، فينبغي أن يكونا شيئين موجودين في الأزل . فإن لم يقل صاحب هذا المذهب ذلك ، وأثبت موجودا واحدا في الأزل ، وموجودين فيما لا يزال ، فقد أثبت فيما لا يزال ، ما لم يثبت في الأزل ، إذ من بداءة العقول أن الاثنين زائد على الواحد ، فاستبان بذلك تناقض القول بقدم الجواهر المتغايرة ، مع المصير إلى إثبات موجود واحد في الأزل . وعبر بعض الأئمة عن ذلك بأن قال : إذا زعمتم بأن العنصر واحد ، ثم صار أشياء ، فالأشياء أكثر من موجود واحد ، فكيف يتقرر في العقل إثبات ما هو أكثر من واحد ، من غير حكم بحدث ما يحدث ؟ وإنما ننفصل [ عن ] ما يروم بتقسيم . وهو أن نقول : لا تخلون من وصفكم العنصر بالاتحاد إما أن تزعموا أن اتحاده على منهج اتحاد الصورة والظل والجسم ، وهو مشتمل على موجودات ، غير أنها متحدة في قضية اسم العنصر ، كما أن الإنسان متحد

--> - الأعلام 6 / 130 ، ووفيات الأعيان 5 / 157 - 161 .