عبد الملك الجويني

69

الشامل في أصول الدين

تحقيقه منعهم عن القول بحدوث الأعراض . ومما يمنع أبا هاشم من إثبات هذا الأصل ، أنه أثبت أحكاما للذات من غير إثبات مقتضى ، نحو كون الذات ساكنة ، عاجزة ، مدركة ، آلمة ، ملتذة ، فإذا لم يبعد ثبوت أحكام الذات من غير إثبات مقتض ، فبم ينكر على من يقول : إن الأكوان كانت في الأزل غير موجبة لأحكامها ، ثم تصير موجبة فيما لا يزال من غير احتياج إلى مقتض . وكذلك يلزمه أن يجوّز على هذا الأصل أن تنتقل الأعراض من غير انتقال قائم بها ، وتثبت لها أحكام الأكوان من غير قيام الأكوان بها . ومما يمنعهم من القول بحدوث الأعراض أنهم قالوا : الاعتقاد يكون جهلا ، ثم ينقلب بعينه علما ، ويوجب للذات كونها جاهلة أولا ، ثم يوجب لها كونها عالمة ثانيا . والوجود واحد ، والذات واحدة ، وقد أوجب حكما في حال ، ولم يوجبه في حال . فبم ينكرون على من يلزمهم مثل ذلك في الأكوان ، ويقول إنها توجب أحكاما في بعض الأحوال دون بعض ؟ وهذا لا محيص لهم عنه . ومما يحول بينهم وبين إثبات هذا الأصل ، أن المعول فيه على أن الحركة إذا قامت بمحل كان فيه سكون ، فينتفي السكون ، وانتفاؤه يدل على عدمه ، ولا معنى للعدم على أصولهم . فإن الذي حكمنا بانتفائه ، هو شيء عرض كون عندهم ، وقد أوضحنا أن حدوثه لا يزيد على كونه شيئا ، فلم يتحقق العدم عندهم . قال الأستاذ : والذي صاروا إليه تعبير عن الكمون بعينه ، فإنهم أثبتوا حقائق أوصاف الكون الأول ، ولم يثبتوا له إيجابا واقتضاء . ومما صدهم عما قالوه أنهم قالوا : القدرة تقتضي التمكن من المقدور ، ثم يثبت ما ينافي التمكن ، ولا ينافي القدرة ، إذ المقيد المربوط قادر على التفلت عندهم غير متمكن منه . فإن لم يبعد أن يقال : القدرة تتضمن التمكن ، ثم قد تثبت ولا تقتضيه ، فينبغي أن لا يستبعد أن يثبت الكون غير موجب حكمه . وعلى هذا الوجه تلزمهم مسائل لهم في القدر . منها قولهم إن الواحد منا قادر على الرقي في السماء ، ولكن تمنعه من ذلك موانع . وسبيل الإلزام في الجميع واحد . ومما يصدهم أيضا مصيرهم إلى إثبات عرض قائم بنفسه في العدم ، ثم يقوم بالجوهر في الوجود من غير انتقال . ويلزمهم على ذلك أن يسوغوا للدهرية قولهم : إن الأكوان لم تكن قائمة بمحال ، ثم قامت بها من غير انتقال . واعلموا أن الدلالة التي قدمناها تستند إلى ثلاثة أصول : أحدها : إثبات استحالة عدم القديم .