عبد الملك الجويني

67

الشامل في أصول الدين

بعض الأوقات أولى من اقتضائه لبعض . وتلخيص القول فيه : أنه إذا اقتضى حكما خاصا ، فليس يخلو : إما أن يقتضيه لنفسه ، أو لمعنى زائد عليه . فلو اقتضاه لنفسه لدام ذلك الحكم الخاص ما دام نفسه ، ولو اقتضاه لمعنى زائد أفضى ذلك إلى قيام العرض بالعرض . ثم الطلبة في العرض الثاني كهي في الأول . ولو كان إيجاب الكون حكما مخصوصا في وقت ، مع جواز إيجابه ضد ، لجاز اختصاص جوهر بجهة مع جواز اختصاصه بغيرها من غير معنى . وكل قول في تفصيل الأعراض يقدح في إثبات أصلها فهو مردود . ثم اعلموا أنا إذا أنفينا الأحوال ، لم يكن لما قاله الخصم معنى فإن الحكم الموجب على نفي الحال غير الموجب ، وكون العالم عالما غير علمه ، وكون الكائن مختصا بجهة غير اختصاصه ، فإذا كان الاختصاصان بجهتين في حكم المتضادين ، كان مخصصهما غير اختصاصهما ، وهما مختلفان ، ففي تثبيته مخصصا بجهة ، ثم تثبيته مخصص بجهة أخرى ، انقلاب جنسه ، وانقلاب الجنس على نفي الحال يظهر بطلانه ، وهذا من الأسرار فتدبروه . سؤال [ استحالة اجتماع الحركة والسكون في محل واحد ] فإن قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أن الحركة والسكون وكل ضدين قائمان بالمحل ، ولكن إذا كمن السكون ، وظهرت الحركة ، ثبت حكم الحركة وسقط حكم السكون ، وإن كمنت الحركة ، وظهر السكون ، ثبت حكمه ، ويسقط حكم الحركة ؟ قلنا : هذا باطل من أوجه : أحدها : أنه ليس يعقل من الكون معنى إلا التستر بالحواجز والتغطي بالأجرام الساترة ، فإن عنيتم بالكون ذلك ، فهو غير معقول في الجوهر الواحد ، إذ ليس ينقسم الجوهر الفرد إلى الظاهر والباطن ليتقرر الاندخال فيه . وإن أراد الخصم بالكمون غير ما قلناه ، فعليه إيضاح معناه . فإن الكلام على المذاهب يتخرج على فهمها والإحاطة بها ، والقول المجهول لا نتكلم عليه بالرد ولا بالقبول . ثم نقول : كما نعلم قطعا استحالة كون الشيء متحركا ساكنا ، فكذلك نعلم استحالة اجتماع اللبث والزوال في المحل الواحد . ويعتضد ذلك بما قدمنا إيضاحه من أن التحرك غير الحركة ، وكون الساكن ساكنا غير السكون فإذا استحال كونه متحركا ساكنا ، استحال كون الحركة والسكون قائمتين به .