عبد الملك الجويني

65

الشامل في أصول الدين

القول في إثبات حدث الأعراض اعلموا وفقكم اللّه أن القائلين بإثبات الأعراض من الدهرية اختلفوا في حدوث الأعراض ولوازمها . فالذي صار إليه معظمهم حدوث الأعراض ، ثم اعتقدوا قدم الجواهر مع الاعتراف بحدث الأعراض لأصلين اختلفوا فيهما . فصار صائرون إلى إثبات حوادث لا نهاية لها ، وزعموا أن الجواهر القديمة لم تزل محلا للحوادث . وصار آخرون إلى أن الجواهر كانت عرية عن الأعراض ، ثم حدثت فيها الأعراض فيما لا يزال . وذهب بعض الدهرية إلى القول بقدم الأعراض ، ومقصدنا الآن الرد عليهم ، وغرضنا في إيضاح الرد يترتب على أصول : منها استحالة عدم القديم ، ومنها استحالة قيام العرض بنفسه ، ومنها استحالة قيام العرض بالعرض . وهذه الأصول سنفردها بالذكر ، ولكنا ندرج في خلل الدليل ما يقع به الاستدلال . وسبيل تحرير الدلالة على حدث الأعراض أن نقول : قد بينا أن الجوهر إذا اختص ببعض الجهات ، افتقر إلى معنى يخصصه بها . فإذا قدرنا جوهرا ، فلا يخلو إما أن نقدر أكوانا قائمة به في الأزل ، يوجب بعضها الاختصاص بالتصعد ، وبعضها الاختصاص بالتسفل ، وبعضها بالتقدم وبعضها بالتأخر ، وإما أن نقدر الجوهر خاليا عن هذه الأكوان ، وإما أن نقدر بعض الأكوان قائمة به في الأزل ، ثم يطرأ عليه البعض فيما لا يزال . فإن قالوا : إن الأكوان قامت بالجوهر في الأزل كان ذلك محالا من أوجه : أحدها : أن الجهات التي يجوز تقدير الجوهر في آحادا على البدل لا تتناهى ، فيلزم إثبات أكوان غير متناهية قائمة بالجوهر . على أننا نقول : لو ثبتت الأكوان ، لم يخل أمرها : إما أن تقتضي جملة أحكامها ، أو لا تقتضي شيئا من أحكامها ، أو يقتضي البعض حكمه دون بعض . ويبطل ثبوت أحكامها جميعا ، فإن فيه اختصاص الجوهر الواحد بجهات في الحالة الواحدة ، وذلك معلوم بطلانه ضرورة . ويبطل أيضا أن لا توجب الأكوان شيئا من أحكامها لوجهين : أحدهما أن ذلك يقتضي عرو الجوهر المتحرك عن اختصاص بجهة ، ويتضمن ذلك تثبيت الجواهر لا مجتمعة ولا مفترقة ، ولا متحركة ولا ساكنة ، وذلك فاسد ضرورة . والوجه الثاني أن الأكوان لو ثبتت في القدم غير موجبة لأحكامها ، لجاز تقديرهما فيما