عبد الملك الجويني

6

الشامل في أصول الدين

الثاني لذهوله عن العلم بموجب الدليل الأول ، فإنه لا يقدم على النظر الثاني إلا في حال ذهوله عن العلم . وهذا الجواب يستقيم على موجب من يمنع اجتماع فكرين في الحالة الواحدة سواء كانا متماثلين أو مختلفين . وسيأتي تفصيل ذلك في أحكام التضاد . وأما من جوّز من المحققين اجتماع فكرين مختلفين فلا يستبعد ثبوت العلم الأول مع الإقدام على النظر الثاني . فوجه الانفصال على هذه الطريقة وهي المرضية من وجهين . أحدهما : أن نقول : إنما يطلب بنظره الثاني أن يعلم كون المنظور فيه دليلا . فإن كان هذا مطلبه ومقصده بنظره وهو غير عالم به ، فقد اطرد ما مهدناه من أن العلم بالشيء لا يجامع النظر فيه . وإنما الغرض بالرتبة الثانية طلب كون المنظور فيه دليلا . فإن قال قائل : هذا غير سديد ، فإن العارف بالشيء قد يسبر دلالة أخرى وليس يخطر له طلب كونها دلالة ، فلو كان المقصود بالنظر الثاني إثبات المنظور فيه دليلا لاختص ذلك بمن يقصده ، ولما تحقق فيمن لم يخطر له ببال . فإن استقام جوابكم فيمن قصد ما قلتم ، فما جوابكم في الذي لم يقصد بنظره الثاني إثبات دليل ؟ وهذا الذي ذكره السائل تدليس ، إذ العالم بالشيء إذا أقدم على النظر الثاني فلا بد أن يكون طالبا بنظره ، إذ كل نظر طلب ، وكل ناظر طالب ، ويستحيل أن يكون طالبا بنظره الثاني العلم بما هو عالم به . فإنا نعلم ضرورة بطلان ذلك . فإذا بطل أن يكون طالبا للعلم الأول ، فلا بد من تقدير وجه طلب في نظره الثاني ، فلا وجه فيه إلا ما قلناه . والوجه الآخر من الجواب أن نقول : الأدلة مختلفة الوجود وإن كانت بأجمعها تفضي إلى العلم . فغرض الناظر بنظره الثاني أن يدرك وجها آخر من الدليل لم يدركه أولا ، وهذا واضح لا خفاء به . فاستبان بما قلناه أنه ناظر فيما هو غير عالم به . فصل [ النظر الفاسد ] اعلم أن النظر إذا انخرم شرط من شرائطه فلا يتضمن علما ولا يفضي إليه . ثم قال المحققون : ولا يفضي النظر الفاسد إلى ضد من أضداد العلم كما لا يفضي إلى العلم . وذهب بعض من لم يحصل له حقائق النظر من الفقهاء إلى أن النظر في الشبهات مع الذهول عن وجه الدليل يتضمن العلم ، وهذا باطل . والدليل على بطلانه أوجه : أحدها : أن الشبهة ليس لها وجه على الاختصاص يتضمن الارتباط بالجهل ، وليس كذلك الدليل . والذي يحقق ذلك أن المتمسك بالشبهة يقرر له المحقق أن الذي ظنه وجها