عبد الملك الجويني

44

الشامل في أصول الدين

فإن تجاهل الخصم وأنكر اتصاف النار بأوصاف الهواء ، إذ لم يمكنه إنكار اتصاف الهواء بأوصاف النار ، فالكلام عليه من وجهين : أحدهما : أن جملة أوصاف النار أعراض ، ومن حكم الأعراض جواز انتفائها واستحالة بقائها ، ومعاقبة أضدادها إياها . ومن أنكر من ذلك شيئا ، عاد الكلام معه إلى أحكام الأعراض . والوجه الآخر : أن اتصاف الهواء بأوصاف النار غير مستبدع ، فقولوا إن الهواء جوهره كجوهر النار من حيث أنه يقبل أعراض النار ، فإن الذي نعنيه بتماثل الجوهرين ، أن يجب لأحدهما ، ما يجب للثاني ، ويجوز عليه ما يجوز على الثاني . فإذا ثبت أنه يجب لكل واحد من الجوهرين التحيز وسائر صفات النفس ، ويجوز أن يقبل أحدهما أجناس أعراض الثاني ، فهذا ما نعنيه بالتماثل . فإن ساعدنا الخصم عليه وخالفنا في العبارة ، فقد حصل غرضنا ، وآل الكلام إلى التسميات ، فليست هي المطلوبة بقضايا العقول . والذي طردناه في النار والهواء ، يطرد في جملة الجواهر ، وكل ما تمسك به المحققون في إثبات تجانس الجواهر ، راجع إلى الأصول التي قدمناها فلا معنى لتكثير العبارات مع إيجاد الطلب . فإن تمسك الخصم باستبعادات فقال : نحن ندرك مخالفة الصخور للماء الجاري ، كما ندرك مخالفة السواد البياض ، وليس جحد أحد من المخالفين بأولى من جحد الآخرين . الجواب عن ذلك مقتضبا من الدليل الذي قدمناه ، فإن المخالفة التي خيلت للخصم ، راجعة إلى مخالفة أعراض المستجدات لأعراض المائعات . والذي يكشف ذلك أن انذياب الحجر غير مستنكر عقلا ، حتى يضاهي الماء في جرمه ، فكذلك القول في جملة صفاته وأعراضه . وهذا واضح مغن عن الأطناب . فصل [ أصل التحيز ومعناه ] قد ذكرنا أن الجوهر متحيز ، ونحن الآن نوضح التحيز ومعناه ، وهو مما اختلفت فيه عبارات المتكلمين . فقال بعضهم : المتحيز : هو الموجود الذي لا يوجد بحيث وجوده مثله . وهذه العبارة مدخولة ، وإن أطلقها كثير من الأئمة . فإن العرض إذا قام بمحله ، لم يوجد بحيث وجوده عرض مثله ، إذ كل مثلين من الأعراض متضادان ، ثم العرض مع ذلك