عبد الملك الجويني

362

الشامل في أصول الدين

كما أنكم قلتم باختصاص الإرادة لمعنى يقتضي ذلك فيها ، دون الفناء ، ولم يرجعوا إلا إلى محض التحكم فتقبلوا منا ذلك فيما ألزمتم . ثم نقول : هذا كله - لو سلم لكم - أن القدرة في تعلقها تفتقر إلى قادر بها . ولو أبينا وقلنا : إذا جاز تعلق القادر بالمقدور من غير قدرة ، فما المانع من تعلق القدرة بالمقدور من غير قادر ؟ وهذا ما لا فصل فيه . على أنا نقول : أليست القدرة تثبت معدومة غير متعلقة ولا قادر بها ، فإن لم يبعد ثبوتها غير متعلقة ، ولا قادر بها ، لم يبعد كونها متعلقة ولا قادر بها أيضا . فإن المعنى إنما افتقر إلى المحل نفسه لا لتعلقه ، وهذا ما لا محيص منه أبدا ، وهو الذي يحسم تشغيبهم ويقطع دابرهم . ثم نقول : أقصى ما استروحتم إليه أن القدرة المعدومة لا تتعلق بالمقدور . ولو سلم لكم ذلك ، لم تستفيدوا بتسليمه ثبوت ما فيه التناقش . وذلك أن لنا أن نقول : هلا قلتم إن القدرة المعدومة لا تتعلق بمقدور ، من حيث لو ثبت ذلك لافتقرت القدرة إلى قادر بها ؟ وهذا المعنى لا يتحقق في القادر بنفسه ، فإنه في كونه قادرا لا يفتقر إلى التعلق بغيره ، كما افتقرت على زعمكم القدرة إلى التعلق بالقادر بها . فهذا الذي عولتم عليه ، في امتناع تعلق القدرة المعدومة ، ليس يتحقق في القادر بنفسه . ثم نقول : قد ألزمكم أصحابنا كون الذات قدرة من حيث تعلقت بالمقدورات ، تعلق القدر ، واقتضت اقتضاءها ، فكان من جوابكم أن قلتم : القادر ليس يتعلق بالمقدور تعلق القدرة ، وإنما يتعلق تعلق القادرين . وحاولتم فصلا بين تعلق القادر والقدرة ، فما لكم الآن نسيتم أنفسكم ، ورمتم الجمع بين التعليقين ؟ فبم تنكرون على من يقول : تعلق القدرة مشروط بوجودها بخلاف تعلق القادر لنفسه ؟ فهذه طلبات تجز الواحدة منها رؤوس المعتزلة . ولما علم بعض المتحذقين منهم توجه الطلبات ، من حيث قالوا : إن القديم تعالى حيّ ، قادر ، عالم لنفسه ، صرفوا الدلالة إلى الإرادة . إذ من أصلهم أن القديم تعالى مريد بإرادة حادثة . فقالوا مرتبين على هذا الأصل : إن لم تطردوا دلالتنا في القادر ، من حيث كانت صفة نفسه ، فهو مطرود في الإرادة . ووجّه القاضي عليهم طلبات في الإرادة تستقصي في مواضعها ، ولكنا نشير إليها على إيجاز ، فنقول : متى صحت الإرادة عندكم ، فرتبوا عليها مقصودكم ، فإن تمسكوا عند المطالبة بافتقار المخصص من الحادثات بالصفات إلى الإرادة ، بطل ذلك عليهم بوجوه ، منها : أن من أصلهم أن الأفعال المتولدة تتوالى وتترتب من غير إرادة وتخصيص ممن وجد