عبد الملك الجويني

348

الشامل في أصول الدين

وأما قوله تعالى : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [ البقرة : 87 ] فهو جبريل عليه السلام ، وكان يأتي عيسى ويؤيده ، ويسدده . فقد سقط ما تمسكوا به من كل وجه . وربما يتمسكون بفصول ، ويزعمون أنها من الإنجيل ، وسنذكر فيها فصلا ، ونذكر ما يدل عليهم مما يعترفون به من الإنجيل . القول في ذكر مذاهبهم في الجوهر ومغايرته للأقانيم اختلفت النصارى في الجوهر والأقانيم . فزعم اليعقوبية والنسطورية أن الجوهر ليس بغير الأقانيم ، ثم اختلفوا ، فذهب بعضهم إلى أن الجوهر : هو الأقانيم . وإليه مثل الدهماء « 1 » منهم . وزعم آخرون أن الجوهر لا يقال إنه غير الأقانيم ، ولا يقال إنه هي . وزعموا أنهم جروا في ذلك مجرى مثبتي الصفات حيث قالوا : إن الصفات ليست غير الذات ، ولا يقال إنها هي . وذهب الروم وهم الملكية إلى أن الجوهر غير الأقانيم . ثم لهم خبط واضطراب في مخالفة الجوهر للأقانيم ، وموافقته لها ، ونحن نعقد في هذا الباب فصلا ، ونبدأ الآن بالرد على اليعقوبية والنسطورية . فأما الذين قالوا منهم : إن الجوهر : هو الأقانيم . فقد خرجوا عن المعقول ، وجحدوا الضرورة . فإن الأقانيم مختلفة عندهم ، لا تسد الروح مسد الكلمة ، ولا يسد الأب مسد الابن . والجوهر ، في نفسه ، لا يختلف . قالوا : حد الذي لا يتصور فيه الاختلاف ، كيف يكون غير المختلفات ؟ وكيف يكون المتحد متعددا ، والذي لا يختلف مختلفا ؟ والذي يوضح ذلك : أن الكلمة اتحدت بالمسيح عندهم دون الجوهر ، فلو كان الجوهر عين الكلمة ، فكان متحدا بالمسيح ، من حيث اتحدت به الكلمة ، أو كانت الكلمة غير متحدة بالمسيح ، من حيث لم يتحد به الجوهر . ولا مزية في التناقض على قول من يقول : الكلمة ليست هي الروح ، والجوهر عين الكلمة والروح ، وإذا كان الجوهر كلمة ، كانت الكلمة جوهرا ، فيلزم أن تكون الكلمة روحا ، ولا تكون روحا . وهذا مبلغ من الجهل لا يبوء به عاقل . وأما الذين قالوا منهم : إن الجوهر لا يقال فيه إنه غير الأقانيم ، ولا عينها ، فالكلام على هؤلاء يترتب على مسألتهم عن معتقدهم في الأقانيم مع الجوهر . فنقول : لا شك أنكم تحكمون بأن الجوهر موجود ، قديم ، فما قولكم في الأقانيم ؟ أهي موجودات زائدة على ذات الجوهر ، أم لا توصف الأقانيم بالوجود ، ولا بالعدم تشبيها لها بالأحوال عند مثبتيها ؟

--> ( 1 ) الدهماء : جماعة الناس وسوادهم ( ج ) دهم .