عبد الملك الجويني

346

الشامل في أصول الدين

أنه كان يظهر هذه الآيات من تلقاء نفسه ، وأن كان لا يسأل اللّه إظهارها ، بل كان يستقل ، ويستبد بنفسه ؛ فهم منازعون فيما ادعوه أشد المنازعة . وإن اعترفوا بما قلناه ، فقد سقط حجاجهم بقولهم : إنه كان يحدث الآيات بنفسه . ثم نقول : لو سلم لكم مسلم جدلا ، ظهور الآيات منه من غير مسألة ورغبة إلى اللّه ، فليس فيه معتصم . فإن وقوع الشيء على حسب قصد الإنسان واختياره ، لا يدل على كونه من فعله عندنا ، ولذلك صرنا إلى أن من دفع حجرا ، حتى تنهد من علو إلى أسفل ، فقد وقع ذلك على حسب قصده ، وليس ذلك من فعله ، ولا من مقدوراته . وكذلك القول في جملة ما وصفه بعض الناس بالتولد ، وكذلك الشبع والريّ يحصلان على حسب القصد ، وليسا من مقدورات البشر . وكذلك القول في إثبات كثير من الألوان . وسنوضح هذا الفصل في خلق الأعمال إن شاء اللّه تعالى . والذي قالوه من أن ذلك يورث ريبا وتشككا في الأفعال المعتادة ، إذ إنما تتميز الأفعال المقدورة عن غيرها ، بوقوع المقدورة على حسب القصد ، فهذا مردود أيضا . فإنا لا نقول إن المقدور يتميز عن غيره بوقوعه على حسب القصد ، إذ قد يقع الفعل مقدورا من الساهي ، والنائم ، والبهائم من غير قصد واختيار . ثم الذي يقطع دابرهم ، ويحسم تشغيبهم ، أن نقول : طرد كلامكم ، يوجب عليكم أن موسى عليه السلام إله ، من حيث كانت الآيات تصدر منه حسب قصده واختياره . فإن أنكروا من أمر موسى عليه السلام شيئا ، انعكس عليهم مثل ذلك في أمر عيسى عليه السلام . وإن ادعوا أنه كان يفعل ذلك مبتهلا إلى اللّه تعالى ، أو إلى عيسى ، لم يسلموا من قلب ذلك عليهم . ومما يتمسكون به أن قالوا : قد وافقتمونا على أن عيسى كلمة اللّه ، ونطق بذلك كتابكم ، فإنه قال تعالى : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ، أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [ النساء : 171 ] . ثم قالوا : وهذا نص مذهبنا ، وعضدوا ذلك بأن قالوا : الكلمة قديمة عندكم ، إذ الكلمة في معنى الكلام ، والكلام عندكم قديم . قلنا : لا ننازعكم في تسمية كلمة ، ولكن من أين لكم قدمها ، وبم تنكرون على من يزعم أن الكلمة ليست في معنى الكلام ، وإنما المراد بها الآية ؟ والآيات عندنا تسمى كلمات ، وهو المعنى بقوله : ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 27 ] معناه : ما نفذت آيات اللّه ، وبدائع مقدوراته سبحانه وتعالى . وهذه الآية يترجمها قوله تعالى : وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 91 ] .