عبد الملك الجويني

332

الشامل في أصول الدين

قلنا : لا معنى للرجوع إلى عدم العلم في نفيه للعلم ، ومحصول قولكم إلى ذلك يرجع ، فكأنكم قلتم : من حيث لم يعلم إلا ذلك ، وجب أن يعلم لا شيء سواه . وهذا تشبث بجهل في انتفاء علم . على أنا نقول : بم تنكرون على من يزعم أن كون الجوهر جوهرا ليس مما يقتضيه وصفا ، ويعلل بصفة ؟ فبينوا أولا كونه معللا ، ثم ارجعوا بعد ذلك إلى تعيين العلة . ثم نقول : بم تنكرون على من يزعم أن الجوهر إنما كان جوهرا لتحيزه ، أو قبوله للأعراض ، أو نحو ذلك . فلا يجدون إلى الفصل سبيلا . فهذه طريقة واحدة في ذكر القائم بالنفس ومعناه . وذهب بعض أهل الحق إلى أن القائم بالنفس هو الغنى المطلق ، وهو الذي ارتضاه الأستاذ أبو إسحاق ، فلا قائم بالنفس عنده إلا اللّه ، فإنه الذي اتصف بالغنى على الحقيقة ، وتعالى وتقدس عن الافتقار من كل وجه ، وليس كذلك الجوهر الحادث . فإن أصل وجوده افتقر إلى القدرة ، واستمرار وجوده يفتقر إلى تجدد البقاء ، فليس تتحقق له صفة القيام بالنفس . وهذه الطريقة أقرب إلى مأخذ اللغة من الأولى ، فإن العرب إنما تعبر بالقائم بالنفس عن من تقدر فيه استقلال وعدم افتقار . وقد عبر بعض الأئمة عن القائم بالنفس ، فقال : هو الفعال لما يشاء من غير معين . وهذا نص مذهب العرب ، فإنهم يقولون لمن يقدرونه مستبدا بنفسه ، غير محتاج إلى استنصار واستظهار بالأغيار ، وهو قائم بنفسه ، فلا قائم إذا بالنفس إلا باللّه . فإذا منعناهم من وصف القيام بالنفس شاهدا ، لم يتأت لهم ترتيب صفة الجوهر على القيام بالنفس شاهدا ، ليرتبوا عليه ارتباط الوصفين غائبا . فإن قالوا : أنتم منعتم ما ذكرتموه لفظا ، فالذي عنيناه من حيث المعنى ، غير منكر . قلنا : لسنا نخالفكم الآن في معنى ، وإنما نناقشكم في عبارة . فإذا صددناكم عنها ، وأوضحنا تحكمكم على اللغة فيها ، فقد استتب معتمدنا . وقد ذكر شيخنا أبو الحسن في بعض « أماليه » أنه لا معنى للقائم بالنفس شاهدا ولا غائبا . ولا يدل على إثبات ذلك عقل ولا سمع ممولا معول على ما يتجوز به المتحضرون في محاوراتهم . فلم يشع في العرب العاربة « 1 » القيام بالنفس . ولورد إلى التحقيق لزم أن يكون قائما بقيام ، فقد بنوا أصلهم على ما لا أصل له .

--> ( 1 ) العرب العاربة : صرحاء خلّص . أو قبائل بادت ودرست آثارهم .