عبد الملك الجويني

324

الشامل في أصول الدين

بعلوم لم يثبتها لأحد قبله من خلقه ، فكأنه من حيث خصصه بعلم ، لا يساهم فيه خلقه على صفته اسما وإطلاقا . والرب تعالى يتقدس عن مشابهة خلقه ، وهذا قريب إذا ألطفت فيه القول . ومما يتقدر السؤال عنه ما روي في المعراج عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « وضع كفه بين كتفي ، فوجدت بردها في كبدي » « 1 » وهذا الحديث - إن صح - فتأويله قريب . إذ الكف يطلق ويراد به الاحتواء على الشيء ملكا وملكا . ومنه قول القائل : هوّن عليك ، فإن الأمور بكف الإله مقاديرها ، فليس بآتيك منهيها ، ولا قاصر عنك مأمورها . وهذا شاهد على أن المراد بالكف الاحتواء على التقدير والتدبير ، وبسط الرزق وقبضه ، وهذا غير مستنكر . فإن قيل : فما وجهه في الحديث الذي سألتم عنه وما فائدة تخصيصه بوقت ومكان ، والرب تعالى محتو على الخلائق ملكا وملكا ؟ قلنا : أراد صلّى اللّه عليه وسلّم بوضع الكف إحداق ألطاف اللّه به . وعليه يدل قوله : فوجدت بردها ، أي روحها . والعرب تكنى عن كل روح بالبرد ، وتقول ابترد فلان إذا استراح . وسمي النوم بردا لما كان سكنا وروحا . ويقال : يد فلان على فلان ، أو كفه بين كتفيه . والمراد بذلك إشفاقه عليه ومحبته وتعطفه ، وهو صفات اللّه رحمته ولطفه . ومما يقع السؤال عنه ما يروى في بعض الأحاديث أن الجبار يصنع قدمه في النار ، فتنزوي النار وتقول قط قط . وفي ذلك وجهان أشار إليهما الأستاذ أبو بكر : أحدهما : أن المراد بالجبار ؛ المتجبر العاتي على اللّه ، المتولي بركنه . فإذا استوفت النار الجبار ، واشتملت على مستوجب العذاب ، فتفعم عند ذلك وتقول قط قط ، وهو المعني بقوله تعالى : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ ق : 30 ] . معناه : لم يبق فيّ مزيد ومتسع . وقد وصف اللّه تعالى مستوجب العذاب بالاستكبار والعتوّ والجبروت في آي من كتابه ، فكل راع عات على اللّه ، جبار . من قولهم : نخلة جبارة ، إذا فاتت الأيدي . وناقة جبارة ، إذا كانت شاطة ، وكل مرتفع عن ربقة « 2 » التكليف جبار . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أهل النار كل جظ جعظ » « 3 » . وفي بعض الروايا جواظ جعظري . والجواظ : الجموح المنوع . وقيل : هو القصير ، البطين ، السمين . وقيل : هو المتكبر ، المتسخط على الطعام .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( تفسير سورة 3 ، 4 ، 38 ، 2 ) ، والدارمي ( رؤيا 12 ) ، وأحمد بن حنبل 1 - 368 ، 4 - 66 ، 5 - 58 ، 243 ، 378 . ( 2 ) الربقة : حبل فيه عرا تشد بها صغار الغنم والبهائم ، أو العروة ذاتها . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 224 ) ، والألباني في ( السلسلة الصحيحة 1741 ) .