عبد الملك الجويني

313

الشامل في أصول الدين

مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النساء : 100 ] . وليس المراد بذلك طيّ المسافة إليه ، وإثبات قرب الذوات . وهذا ما لا خفاء به . فكما حمل المهاجرة إليه على الانقطاع إليه ، والتبتل إلى طاعته ، وما يزلف ويقرب العبد لديه ، فكذلك قوله « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ » ، وعلى ذلك يحمل قوله تعالى : إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [ العنكبوت : 26 ] . فالذي يوضح ذلك ويحققه لفظة اتفق عليها الأمم الموحدة ؛ قالوا : إن فلانا يتقرب إلى اللّه ، ولم يريدوا قرب الذات ، فإذا لم يبعد حمل نفس القرب على التشبث بالطاعة ، لم يبعد حمل ما ينبئ عن القرب في توهم الزائغين على ما ذكرناه . والذي يحقق ذلك أن الملائكة إذا عرجوا وأخذوا مقارهم ومواطنهم في السماوات وحافات العرش ، فلا يبلغون ذروة العرش . وتشبث هؤلاء بالظواهر يصدهم عن استدلالهم هذا ، إذ قد ورد في أحاديث أن من كواهل العرش إلى شرافاته مثل ما من كواهلهم إلى تخوم أقاصي الأرض أضعافا مضاعفة ، ثم فوق الشرافات حجب العزة ، وبصر كل حاجب كبصر السماوات والأرضين . وفي حديث المعراج أنّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلم أعلى مراتب الملائكة حتى قال صلّى اللّه عليه وسلم : « انقطع عني رجل المستخير ، وخيل إلي أنه مات من تحت العرش ، ورأيتني كالقنديل المتعلق في الهواء . فلو كان العروج على ما قالوه ، لما استقام على مقتضى أصلهم ، إذ لو استقر ملك على ذروة قصر ، ورقي بعض جرمه درجة أو درجتين ، فلا يقال إنه صعد إليه . فوضح أنهم محتاجون إلى التأويل ، كما نحتاج إلى ذلك » . وأما قوله « إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ » فهو ما أول باتفاق المحصلين بأن الكلام لا يجوز عليه التحول ، والانتقال ، وجوب الجو ، والتصعد في الهواء . فدل أن المعنى بصعود الكلم الطيب ؛ وقوعه من اللّه موقع الرضا . والجملة في ذلك أن الارتفاع ينبئ عن رفعة الشيء درجة ومنزلة لا تصعدا ورقيا . وقد يقال هذا الأمر مرفوع إلى الأمير ، وليس يراد نقل الشيء إليه ؛ بل المراد بالرفع التبليغ إلى رفيع شأنه ، عليّ قدره . ثم قد ينبئ الارتفاع والعلو والعروج عن علو من ينتهي إليه ، وقد ينتهي عن علو شأن المرفوع . والعرب تعبر عن أسباب الشرف بالعروج والعلو والرفعة ، وعن كل حطيطة ورذيلة بالتسفل . ويعبرون عن كل من عظم قدره بالتصعد ، وعن حثالة « 1 » الناس بالتسفل . ومما يسأل عنه قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] . وقد ذكر الأئمة في ذلك وجهين : أحدهما : أن المراد به : وجاء أمر ربك ؛ وفصله القضاء يوم الدين بين الموحدين

--> ( 1 ) الحثالة : من الناس : رذالهم وشرارهم .