عبد الملك الجويني
311
الشامل في أصول الدين
اللّه تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] ، أي منورها ومخترع أنوارها . والوجه الآخر : أنه هادي أهل السماوات والأرض . وفي سياق الآية ما يدل على ذلك لأنه قال : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [ النور : 35 ] ، فقرن ذكر النور بالهداية وهو المعنى بقوله : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ [ الشورى : 52 ] . ومما يوضح ما قلناه أن الآية من مفتتحها إلى منقطعها دالة على أنه لا يسلك بها مسلك سائر الظواهر المستقلة بأنفسها ، فإنها ثابتة في منهج الأمثال ، ولا يسوغ التشبث بظواهر الأمثال باتفاق المحصلين . ولو تتبع المتتبع جملة أمثال القرآن لاستبان له مباينتها للظواهر التي يتمسك بفحواها ، ولا معنى للإطناب مع وضوح الكلام ؛ كيف وقد قال اللّه تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ [ النور : 35 ] ، ثم قال في آخر الآية : وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ [ إبراهيم : 25 ] . فقد وضح من نفس الآيات جريانها مجرى الأمثال ، وخروجها عن سبيل الظواهر . ثم نقول : قد اتفق أهل التأويل على الوجهين المقدمين . فمن ابتغى بعدهما ثالثا ، كان خارجا عن إطباق المتأولين ، واتفاق المفسرين . فإن استبعدوا تقدير أهل السماوات ، فهو استبعاد فيما لا يستبعد ، فقد يجتزئ بالمضاف إليه عن المضاف إذا اشتمل الكلام على الدليل عليه . قال اللّه تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] ، والمراد أهلها . وقال بعض المحصلين في قوله تعالى : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ [ الدخان : 29 ] ، معناه أهل السماء وأهل الأرض . ونظائر ذلك لا تحصى ولا تنحصر . ومما تمسك به أهل الزيغ قوله تعالى : فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [ فصلت : 38 ] الآية . وقوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ [ الزخرف : 19 ] في قراءة بعض القراء ووجه . ووجه زللهم في التمسك ظنهم أن ظاهر قوله تعالى : الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [ الأعراف : 187 ] ينبئ عن قرب آئل إلى المسافة . وسبيل مفاتحتهم في الكلام أن نقول : ما أراد اللّه تعالى بهذه الآية تخصيص بعض الملائكة والتنصيص على طوائف منهم ؛ بل أراد أن النفلين إن استكبروا وتأبوا ، فالملائكة المقربون دائبون في عبادة اللّه ، وتحميده والثناء عليه ، وتوحيده ؛ لا يعتريهم ملل ، ولا ترهقهم قترة ولا يلهيهم عن عبادة اللّه نبوة . ومن ملائكة اللّه الحفظة المقربون ، الكرام ، الكاتبون ، الموكلون بالمكلفين من عباده . فاستبان بذلك أن من الملائكة المرادين كاتبون في الأرض . ويوضح ذلك أنه تعالى لم يرد تقارب الذوات ، وإنما أراد علو الدرجات ، والاختصاص بالقربات . ثم في قوله تعالى : الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [ الأعراف : 206 ] وجهان : أحدهما : أنه يقال : معناه : فالذين بالقرب من ربك اصطفاء ، واجتباء ، وإكراما ،