عبد الملك الجويني

295

الشامل في أصول الدين

ومما يوضح ما قلناه : النكتة التي قدمناها لما ألزمنا الخصوم إحاطة الجواهر بالمتحيز الذي أثبتوه ، ثم صورنا بعد ذلك تزحزح الجواهر المتركبة ، وهذا ما لا مخلص منه . فوضح بما ذكرناه اندفاع السؤال ، وتقرر لحوق الاختصاص ببعض الجهات بقبيل الجائزات . ومما تمسك به القاضي في ذلك أن قال : إذا زعمتم أن القديم يختص بجهة فوق ، ومنعتم اليمنة واليسرة ، فقد خصصتم جواهر العالم ببعض الأقطار . ولو جاز اختصاص جملة الجواهر بقطر لزوما ، جاز اختصاص كل جوهر بحيز لزوما ، وهذا واضح لا خفاء به . فقد أدى القول في الحكم بإيجاب اختصاص متحيز إلى الحكم باختصاص جملة المتحيزات ، وهذا خبط وتخليط . فأما وجه الانفصال عن السؤال الآخر ، وهو قولهم : إن القديم لما وجب له الصفات التي استشهد بها السائل من حيث كانت صفات مدح ، ويجب للإله من الصفات ما ستوجب به أقصى الممادح ، والاختصاص بجهة دون جهة ، لا أثر له في اقتضاء استحقاق مدح . وسنعيد هذه الطريقة مستقصاة في مسألة أخرى . والجواب السديد عندنا في ذلك أن نقول : قد قامت عندنا الدلالة على أن المخصص يلزم اتصافه بكونه حيا ، عالما ، قادرا ، مريدا على ما سنوضح في الصفات إن شاء اللّه . والتخصيص لا يصح ممن لم يتصف بالصفات التي ذكرناها ، فلو كانت صفات المخصص جائزة مخصصة ، لافتقرت إلى مخصص ، ثم يتسلسل القول في ذلك وكل ما أدى إلى محال فمحال ثبوته . فهذا سبيل الدليل على قدم القديم تعالى . فإنه لو لم يتصف بالقدم ، لافتقر إلى محدث ، ثم تعدى ذلك إلى حوادث لا نهاية لها ، وهذا يفضي إلى نفي الحوادث جملة ، فإن ما علق حدوثه بأن ينقضي قبله ما لا ينقضي ، فقد شرط في حدوثه محال . فاستبان بما ذكرناه وجوب القطع بوجوب الصفات للّه تعالى من حيث كان مخصصا . وليس الاختصاص ببعض الجهات من هذا القبيل ، فإنه لا أثر للاختصاص ببعض الجهات في تخصيص المخصصات . وأما ما ذكره السائل من اختصاص العلم في التعلق ، فلا محصول له . فإن العلم القديم يتعلق بالمعلومات كلها على ما هي عليها ، وعلمه تعالى بوجود الموجودات لا يقال فيه : إنه اختص بالتعلق بالوجود ؛ بل تعلق بالمعلوم على ما هو به ، ولا يجوز تقدير غير ذلك . وإنما يستقيم التخصيص أن لو قال قائل : يتعلق علمه ببعض المعلومات دون بعض . وهذا ما لا سبيل إليه في علمه . ثم إذا تبدلت المعلومات ، فعدم موجود ، ووجد معدوم ، فالعلم لا يتبدل ولا يختلف لاختلاف المعلومات وتبدلها ، على ما سنوضحه في أحكام العلوم إن شاء اللّه .