عبد الملك الجويني
281
الشامل في أصول الدين
وأما أهل الحق فلا يصيرون إلى واحد من المذهبين . وللطفو والرسوب عندهم عادات مستمرة ، وإلا فالطافي إنما طفى لتخصص كون إياه بجهته ، وإنما يرسب ما يرسب بخلق اللّه تعالى حركات فيه ، ومباينات في أجزاء الماء . ومعظم مقالات المعتزلة في أمثال ذلك تتشبث بالطبع مع تناقض . فلا هم محصوا القول بالطبائع ، وخلصوه طردا للقياس ، ولا هم جانبوه . وفي إيضاح الرد على الطبائعيين ما يفسد جميع ذلك . ومما اختلف فيه أجوبة الجبائي وابنه : اعتمادات الهواء . فصار الجبائي إلى أنه متصعد . وقال أبو هاشم : ليس هو بمتصعد ولا متسفل وإنما هو على سجية الركود والسكون إلا أن تحدث فيه اعتمادات مجتلبة في بعض الجهات كاعتمادات الرياح في مرّها . وقولهما جميعا متناقض عند أهل الحق . فيقال للجبائي : لو كان الهواء متصعدا لما شغل الحفائر التي تحفر ، فإنه ينقل عنها . فلما علمنا أنه لا يحيط . . . ولو كان على تنقيرها بإبطاء انعكست في الحفيرة ، دل ذلك أن الهواء ليس بمتصعد ويقال لأبي هاشم : لو غطس زق ممتلئ من الهواء ثم [ ترك ] لاستعلى الهواء فوق الماء متصعدا ، وليس يذهب لا يمنة ولا يسرة . ولأبي هاشم أن يلزم أباه ما لا يجد منه مخلصا ، فيقول : الإناء الهوائي المتحد من الحديد هو الذي يعصم الإناء من الرسوب . فلو كان الهواء مستعليا ولا مثبتا له لأجزاء الحديد ، لكان لا يمسك القائل بتصعد وترسب الإناء ، وهذه مناقضات أغنى اللّه عنها . وسئل أبي هاشم عن تصعد النار وقيل له : هل انقطعت ألسنة النار عن الجذوة ذاهبة صعدا ، ولو كانت معتمدة صاعدة لما أمسكتها الجذوة ولسددت أجزاؤها شررا مصعدة إلى جهاتها في الاعتمادات ، فلم يجد عما وجه عليه ، ولم يجد عنه على مقتضى أصله جوابا . فصل [ توليد الاعتماد ] ومما اختلفت فيه أجوبة الجبائي وابنه ، أن الجبائي قال : لا يولد الاعتماد شيئا ، وإنما المولد الحركة والنظر والمجاورة . فالنظر يولد العلم ، والمجاورة تولد التأليف والحركة تولد أشياء نستقصي في التولد منها الحركة ، والسكون فلا يولد عنده شيئا . والحركة هي التي تولد الحركة مرة ، والسكون أخرى . وسبيلنا أن نفرض الكلام في صورة فيتضح منها اختلاف المذاهب . فإذا رمى الرامي