عبد الملك الجويني
277
الشامل في أصول الدين
ثقيلا في جهة العلو ، فقد تثبت فيه اعتمادات مجتلبة . وكذلك النافخ في النار يروم تعكسها عن تصعدها ، أثبت فيها عند تعكس ألسنة لهبها ، اعتمادا مجتلبا سفليا . ولا يتصور في غير العلو والسفل من الجهات إلا الاعتمادات المجتلبة . وربما عبروا عن الاعتماد سفلا في الثقل وعلوا في النار بالاعتماد الطبيعي . ولا معنى لهذه التفصيلات على أصول أهل الحق ، فإنا إذا أثبتنا الاعتمادات ، لا نفصل بين بعضها وبعض في اللزوم والاجتلاب ، بل نحكم بأن جميعها يستحيل البقاء عليها ، وهي متعاقبة على محالها حالا على حال ، كجملة الأعراض . ثم اختلف البصريون في مسائل تتعلق بالاعتمادات . ونحن نذكر أصولها ونؤثر الأصح والأفضل منها . فمما اختلفوا فيه بقاء الاعتمادات . والذي صار إليه الجبائي وطائفة من متبعيه أن الاعتمادات غير باقية من غير تفصيل . وقال أبو هاشم : الاعتماد اللازم الطبيعي ، على ما قدمنا كشف مراده فيه ، باق والاعتماد المجتلب غير باق . واستدل الجبائي في الرد على من قال ببقاء الاعتماد بأن قال : لو بقي الاعتماد في جهة السفل ، بقي الاعتماد في هذه الجهة إذا كان مجتلبا ، حتى إذا تخلخل المتحامل على حجر ثقيل ، فيفعل فيه اعتمادا مجتلبا في جهة اعتماده الطبيعي ، فيجب الحكم على مذهب القائلين بالفصل في هذا الاعتماد المجتلب بالبقاء . وأوضح ذلك بأن قال : إن صح المصير إلى أن الاعتماد يمنة ويسرة غير باق من حيث اجتلب في جهة ليس فيها اعتماد طبيعي ، فليس يتحقق ذلك في المجتلب المماثل الطبيعي . وقرر ذلك بأن قال : الاعتماد المجتلب في جهة السفل شارك الطبيعي في أخص الأوصاف . ومن مذهب أبي هاشم أن الاجتماع في الأخص ، يوجب الاجتماع فيما عداه من الأوصاف . ومما تشبث به أيضا أن قال : كل جنس من الأعراض اقتضى الدليل الحكم ببقائه ، فلا نفصل فيه بين ما يقع مقدورا لنا ، وبين ما لا يقع مقدورا لنا ، وكذلك ما اقتضى الدليل إحالة بقائه كالأصوات ونحوها ، فلا نفرق فيه بين المجتلب المقدور لنا ، وبين ما حدث مقدورا للباري تعالى . واستدل أبو هاشم بأن قال : كل ما يتوصل به إلى الحكم ببقاء الألوان والطعوم ونحوهما ، فهو بعينه يتحقق في الاعتمادات اللازمة . وكل نكتة تمسكنا بها ببقاء الأعراض ، تنتقض بالاعتمادات اللازمة إذا نفينا بقاءها .