عبد الملك الجويني
275
الشامل في أصول الدين
وتفريعنا الآن على أنه لا ضد للاعتماد ، لا من قبيل الاعتماد ولا من غيره . ومما يتعلق بتفصيل مذهبنا أنا وإن حكمنا بقيام الاعتمادات بالجوهر الواحد ، فلا يجوز قيام اعتمادين من جهة واحد بالجوهر . فإن كل متماثلين متضادان عندنا . فإن قال قائل : معولكم في منح قيام سوادين بالمحل الواحد ، على أنه لو قدر انتفاء أحدهما ، لوجب أن يعقبه ضد ، وضد أحد السوادين يضاد الثاني . فلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الثاني . وهذا ليس يتحقق في الاعتمادين ، إذ لو انتفى أحدهما ، لم يلزم تقدير ضد له ، إذ لا ضد للاعتمادات . فالدلالة على إحالة اجتماع السوادين لا تتحق في الاعتماد . الجواب عن ذلك : أن الأدلة لا يشترط في انعكاسها ، وإنما يشترط اطرادها . ولا يبعد في أحكام الأدلة ثبوت حكمين في مسألتين بدلالتين مختلفتين . فلئن لم تستمر دلالة الاعتماد المذكورة في السوادين في الاعتمادين ، استمرت فيهما طرق من الأدلة ، سيأتي ذكرها في باب التضاد إن شاء اللّه . والدليل عليه أن الأصحاب كما منعوا اجتماع سوادين ، فكذلك منعوا اجتماع بقاءين وإن لم يكن للبقاء ضد . ومما يتعلق بشرح مذهبنا : أن من جعل الثقل اعتمادا في جهة السفل ، ثم قال : يجوز اجتماع الاعتمادات ، فوجه تهذيب القول في ذلك : أن الجوهر إن تعالى وارتفع صعدا ، ففيه الاعتماد العلوي كما قدرنا ، فيسمى خفيفا عند ذلك . وإن هوى وفيه الاعتماد السفلي ، كما قدرنا ، فيسمى ثقيلا عند ذلك . والاعتماد تسفلا وتصعدا لا يختلف بالهوى وبالصعود ، ولكن تسمية الاعتماد ثقلا أو خفة يتوقف على مقارنة حركة في جهة ، وهذا فيه نظر عندي . فإن الصخرة العظيمة وإن تعلقت بمزلف المنجنيق « 1 » ، فلا يزايلها الثقل ، وإن كانت متصعدة ، وهي في تصعدها ، كهي في انحطاطها في الثقل والخفة ، وكذلك الجسم الواقف ولم يهو ولم يرتفع ، فيلزم أن لا يوصف بالثقل ولا بالخفة . وقد أشار القاضي إلى هذا السؤال ، وسحب عليه إذنا له ، ولم يوضح انفصالا . وقد قال بعض المختصين به وهو القاضي أبو جعفر السمناني « 2 » . إنما تثبت تسميته
--> ( 1 ) المنجنيق : ( مع ) ( موء ) : آلة قديمة من آلات الحرب وحصار المدن ، كانت ترمى بها الحجارة على الأسوار فتهدمها ( ج ) منجنيقات ومجانق ، ومجانيق . ( 2 ) محمد بن أحمد بن محمد السمناني ( 361 - 444 ه - 972 - 1052 م ) أبو جعفر . قاض حنفي أصله